غزائب جاءت على لسان المنتسبين للتصوف لا تدخل فيما يتعلق به اليقين ، بل الجهل بالكثير منها خير من العلم به ، فإنما الوصف الذى يمتاز به أهل القرآن هو اليقين ، ولا يكون اليقين إلا حيث يكون القطع. وأما الظن فهو وصف من عليهم القرآن وأزرى بهم ، فلا علاقة له بأحوالهم (١)
(٤) (أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ.)
ههنا إشارتان والمشار إليه عند الجمهور واحد وهو ما فى الآيتين السابقتين من المؤمنين من غير أهل الكتاب والمؤمنين منهم ، وكرر الإشارة للاعلام بأنه لا بد من تحقق الوصفين لتحقق الحكم بأنهم على هدى وأنهم هم المفلحون. كذا قال بعضهم وهو تكلف ظاهر ، وكذا قولهم : إن تنكير هدى هنا للتعظيم. وشيخنا قد جعل الإشارتين لنوعى المؤمنين المذكورين فى الآية السابقة بأسلوب اللف والنشر المرتب
قال إن الإشارة الأولى (أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ) فى هذه الآية للفرقة الأولى وهم الذين ينتظرون الحق لأنهم على شىء منه ـ كما يدل عليه تنكير «هدى» الدال على النوع ـ وينتظرون بيانا من الله تعالى ليأخذوا به ، ولذلك تقبلوه عند ما جاءهم. فقد أشعر الله قلوبهم الهداية ، بما آمنوا به من الغيب ، وأقاموا الصلاة بالمعنى الذى سبق ، وأنفقوا مما رزقهم الله ، وأما الفرقة الثانية وهم المؤمنون بما جاء به محمد صلىاللهعليهوسلم فعلى هدى تشرك فيه تلك الفرقة الأولى ؛ لكن على وجه أكمل ، لأنها مؤمنة بالقرآن وعاملة به. وقوله (عَلى هُدىً) تعبير يفيد التمكن من الشىء كتمكن المستقر عليه ، كقولهم «ركب هواه» ولقد كان أفراد تلك الفرقة (أى الأولى) على بصيرة وتمكن من نوع الهدى الذى كانوا عليه ، فإن كان هذا غير كاف لإسعادهم وفلاحهم ، فهو كاف لإعدادهم وتأهيلهم لهما بالايمان التفصيلى المنزل ، ولذلك قبلوه عند ما بلغتهم دعوته.
وإلى الفرقة الثانية وقعت الإشارة الثانية (وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) كما هو ظاهر ، وهم المفلحون بالفعل لاتصاقهم بالإيمان الكامل بالقرآن وبما تقدمه من
__________________
(١) بين القطع والظن المنطقيين يقين هو اليقين اللغوى كما تقدم.
![تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ] [ ج ١ ] تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4494_tafsir-alquran-alhakim-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
