ما كل من أظهر الايمان بما ذكر مهتد بالقرآن. فالمؤمنون بالقرآن على ضروب شتى ، ونرى بيننا كثيرين ممن إذا سئل عن القرآن قال : هو كلام الله ولا شك ولكن إذا عرضت أعماله وأحواله على القرآن نراها مباينة له كل المباينة. القرآن ينهى عن الغيبة والنميمة والكذب ، وهو يغتاب ويسعى بالنميمة ولا يتأثم من الكذب. القرآن يأمر بالفكر والتدبر ، وهو كما وصف القرآن المكذبين بقوله تعالى فيهم : (٥١ : ١١ (الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ ساهُونَ) لا يفكر فى أمر آخرته ، ولا فى مستقبله ولا مستقبل أمته ، ولا يتدبر الآيات والنذر ، ولا الحواداث والعبر.
إن المؤمن الموقن المذكور فى الآية الكريمة هو الذى يزين أعماله وأخلافه باستكمال ما هدى إليه من القرآن دائما ، ويجعله معيارا يعرض عليه تلك الأعمال والأخلاق ، ليتبين : هل هو مهتد به أم لا؟ مثال ذلك : الصلاة. يصفها القرآن بأنها تنهى عن الفحشاء والمنكر ، وقال فى المصلين (٧٠ : ١٩ ـ ٢٢ (إِنَّ الْإِنْسانَ خُلِقَ هَلُوعاً* إِذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً* وَإِذا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً* إِلَّا الْمُصَلِّينَ)
فبين أن الصلاة تقتلع الصفات الذميمة الراسخة التى تكاد تكون فطرية. فمن لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر ، ولم تقتلع من نفسه جذور الجبن والهلع. وتصطلم جراثيم البخل والطمع ، فليعلم أنه ليس مصليا فى عرف القرآن ، ولا مستحقا لما وعد عباده الرحمن.
أما لفظ «الإنزال» فالمراد به ما ورد من جانب الربوبية الرفيع الأعلى ، وأوحى إلى العباد من الإرشاد الآلهى الأسمى ، وسمى إنزالا لما فى جانب الألوهية من ذلك العلو. علو الرب على المربوب ، والخالق على المخلوقين ، الذين لا يخرجون بالتكريم والاصطفاء عن كونهم عبيدا خاضعين. وقد سمى القرآن غير الوحى من إسداء النعم الالهية إنزالا فقال (٥٧ : ٢٥ (وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ) فنكتفى بهذا من معنى الإنزال ، وهو ما يفهمه كل عربي ، من حاضر وبدوى.
وأقول الآن : إننى كنت اكتفيت بهذا القدر فى تفسير الإنزال ، تحاميا لما فى المسألة من خلاف وجدال ، ولكننى عدت فى التفسير إلى فصل المقال فى مسائل النزاع ، فأزيد عليه أن إنزال الحديد فيه أقوال أخرى للسلف والخلف ، كقوله تعالى
![تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ] [ ج ١ ] تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4494_tafsir-alquran-alhakim-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
