المعتزلة بالحلال. ونفاق الشىء كنفاده. وأنفقه جعله ينفق بصرفه وإخراجه من يده. وقال الجمهور : إن الانفاق هنا يشمل النفقة الواجبة على الأهل والولد وذى القربى وصدقه التطوع ، إذ الآية نزلت قبل فرض الزكاة المعينة. وقوله تعالى (وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ) يدل على أن النفقة المشروعة تكون بعض ما يملك الإنسان لا كل ما يملك ـ فهو ركن من أركان الاقتصاد. والانفاق فى سبيل الله أظهر آيات الايمان الصحيح. وقال شيخنا شارحا ذلك على طريقته بما مثاله :
هذا الوصف من أقوى أمارات الايمان بالغيب ، لأن كثيرا من الناس يأتون بضروب العبادات البدنية كالصلاة والصوم ، ومتى عرض لهم ما يقتضى بذل شىء من المال لله تعالى يمسكون ولا تسمج أنفسهم بالبذل ، وليس المراد بالانفاق هنا ما يكون على الأهل والولد ، ولا ما يسمونه بالجود والكرم ، كقرى الضيوف ابتغاء عوض كالشهرة والجاه ، أو الأنس بالأصحاب ، لأن هذا ليس من آثار الإيمان بالغيب ، وإنما هو الإنفاق الناشىء عن شعور بأن الله تعالى هو الذى رزقه وأنعم عليه به ، وأن الفقير المحروم عبد لله مثله ، وأنه حرم من سعة العيش لضعف أو حرمان من الاسباب التى توصل إلى الرزق [أو عن إحساس بأن مصلحة من مصالح المسلمين ومنفعة من منافعهم العامة لا تقوم أو لا تصل إليهم الا ببذل المال ، وقد أوجب الله على من أوتي المال أن ينفق منه فى ذلك السبيل وهو أفضل سبل الله] فمن يجد من نفسه داعية لبذل أحب الأشياء إليه ـ وهو ماله ـ ابتغاء مرضاة الله تعالى وقياما بشكره ، ورحمة لأهل العوز والبائسين من خلقه ، فهو لا شك مستعد لقبول هداية القرآن أتم الاستعداد ، حتى إذا ما دعى إليه لبى وأجاب ، وأسلم إلى الله تعالى وأناب.
فهذا بيان حال الفرقة الأولى ممن يهتدى بالقرآن فعلا ويشملها لعظ المتقين بالمعنى السابق ، وكان منهم بعض العرب الحنفاء ، وبعض أهل الكتاب الصلحاء كما سبق بيانه. والمراد من كون القرآن هدى لهذه الفرقة أنها مستعدة لقبوله ، ومهيأة للاسترشاد به ، لأن الايمان الاجمالى بالله وبحياة أخرى بعد هذه الحياة يوفىّ الناس فيها أجورهم بحسب أعمالهم البدنية والنفسية ، واتقاء ما يحول دون
![تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ] [ ج ١ ] تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4494_tafsir-alquran-alhakim-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
