تعالى اتقاء عذابه وعقابه ، وإنما تضاف التقوى إلى الله تعالى تعظيما لأمر عذابه وعقابه ، وإلا فلا يمكن لأحد أن يتقى ذات الله تعالى ولا تأثير قدرته ، ولا الخضوع الفطرى لمشيئته.
ومدافعة عذاب الله تعالى تكون باجتناب ما نهى ، واتباع ما أمر ، وذلك يحصل بالخوف من العذاب ومن المعذب ، فالخوف يكون ابتداء من العذاب وفى الحقيقة من مصدره ، قالمتقى هو من يحمى نفسه من العقاب ـ ولا بد فى ذلك أن يكون عنده نظر ورشد يعرف بهما أسباب العقاب والآلام فيتقيها.
وأقول الآن : إن العقاب الإلهى الذى يجب على الناس اتقاؤه قسمان : دنيوى وأخروى : وكل منهما يتقى باتقاء أسبابه ، وهى نوعان : مخالفة دين الله وشرعه. ومخالفة سننه فى نظام خلقه. فأما عقاب الآخرة فيتقى بالإيمان الصحيح ، والتوحيد الخالص ، والعمل الصالح ، واجتناب ما ينافى ذلك من الشرك والكفر والمعاصى والرذائل ، وذلك مبين فى كتاب الله وسنة رسوله صلىاللهعليهوسلم وأفضل ما يستعان به على فهمهما واتباعهما سيرة السلف الصالح من الصحابة والتابعين والأئمة الأولين من آل الرسول وعلماء الأمصار ، وأما عقاب الدنيا فيجب أن يستعان على اتقائه بالعلم بسنن الله تعالى فى هذا العالم ، ولا سيما سنن اعتدال المزاج وصحة الأبدان ، وأمثلتها ظاهرة ، وسنن الاجتماع البشرى ، فاتقاء الفشل والخذلان فى القتال يتوقف على معرفة نظام الحرب وفنونها ، وإتقان آلاتها وأسلحتها ، التى ارتقت فى هذا العصر ارتقاء عجيبا. وهو المشار إليه بقوله تعالى (٨ : ٦٠ (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ) كما يتوقف على أسباب القوة المعنوية من اجتماع الكلمة واتحاد الأمة والصبر والثبات والتوكل على الله واحتساب الأجر عنده (٨ : ٤٥ (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) ٤٦ (وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ) ونحن نبين معنى التقوى فى القرآن فى كل موضوع بما يناسبه كالتقوى فى الأكل من الطيبات فى سورة المائدة (٥ : ٩١) ومثله فى سياق تحريم الخمر منها (آية ٩٠) وغير ذلك فيراجع كل شىء فى موضعه. وقال شيخنا فى بيان المراد بهؤلاء المتقين ما معناه :
![تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ] [ ج ١ ] تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4494_tafsir-alquran-alhakim-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
