المخلوقين ، ولا يقال : إن شيئا بعيدا عنه تعالى أو قريبا منه فى المكان الحسى لأن كل الأشياء بالنسبة إليه تعالى سواء. وانما القرب منه والبعد عنه تعالى معنوى وهو أقرب إلينا من أنفسنا بعلمه.
(لا رَيْبَ فِيهِ) الريب والريبة الشك والظنة (التهمة) والمعنى : أن ذلك الكتاب مبرأ من وصمات العيب فلا شك فيه ، ولا ريبة تعتريه ، لا من جهة كونه من عند الله تعالى ، ولا فى كونه هاديا مرشدا ، ويصح أن يقال : إنه فى قوة آياته ، ونصوع بيناته ، بحيث لا يرتاب عاقل منصف ، غير متعنت ولا متعسف ، فى كونه هداية مفاضة من سماء الحق ، مهداة إلى الخلق ، على لسان أمى لم يسبق له قبله الاشتغال بشىء من علومه ، ولا الاتيان بكلام يقرب منه فى بلاغته ، ولا فى أسلوبه حتى بعد نبوته ، ـ ولهذا قال فيما يأتى قريبا (٢٢ (وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ) وحاصله : أنه كذلك فى كل من نظمه وأسلوبه وبلاغته ، ومن معانيه وعلومه وتأثيره فى الهداية ـ لا يمكن أن توجه إليه الشبهة ، أو تحوم حوله الريبة ، سواء أشك فى ذلك أحد بجهالته وعمى بصيرته ـ أو بتكلفه ذلك عنادا أو تقليدا ـ أم لا.
(هُدىً لِلْمُتَّقِينَ) خبر بعد خبر (١) والهدى مصدر فى الأصل كالتقى والسرى والمراد بالهداية هنا الدلالة على الصراط المستقيم مع المعونة الخاصة والأخذ باليد على ما تقدم فى تفسير المراد من (اهْدِنَا الصِّراطَ) لأن كونه هاديا للمتقين بالفعل غير كونه هاديا ـ دالا ـ لسائر الناس من غير مراعاة أخذهم بدلالته ، واستقامتهم على طريقته ، وكلمة «المتقين» من الاتقاء والاسم التقوى وأصل المادة : وقى يقى. والوقاية معروفة المعنى ، وهو البعد أو التباعد عن المضر أو مدافعته ، ولكن نجد هذا الحرف مستعملا بالنسبة إلى الله تعالى كقوله (وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ ـ وَاتَّقُوا اللهَ) ـ واتقون (يا أُولِي الْأَلْبابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) فمعنى اتقاء الله
__________________
(١) بعض القراء يقف على لفظ «ريب» ويجعل «فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ» جملة مستقلة ، وهو ضعيف خلاف المتبادر من النظم. ويرجح قراءة الجمهور وتفسيرهم أول سورة السجدة (الم. تَنْزِيلُ الْكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ).
![تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ] [ ج ١ ] تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4494_tafsir-alquran-alhakim-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
