فى أثناء هذه الحال الغالبة على ظفرت يدى بنسخ من جريدة العروة الوثقى فى أوراق والدى فلما قرأت مقالاتها فى الدعوة إلى الجامعة الاسلامية وإعادة مجد الاسلام وسلطانه وعزته ، واسترداد ما ذهب من ممالكه ، وتحرير ما استعبد الأجانب من شعوبه ـ أثرت فى قلبى تأثيرا دخلت به فى طور جديد من حياتى وأعجبت جد الإعجاب بمنهج تلك المقالات فى الاستشهاد والاستدلال على قضاياها بآيات من الكتاب العزيز ، وما تضمنه تفسيرها مما لم يحوم حوله أحد من المفسرين على اختلاف أساليبهم فى الكتابة ، ومداركهم فى الفهم. وأهم ما انفرد به منهج العروة الوثقى فى ذلك ثلاثة أمور :
(أحدها) بيان سنن الله تعالى فى الخلق ونظام الاجتماع البشرى ، وأسباب ترقى الأمم وتدليها ، وقوتها وضعفها (ثانيها) بيان أن الاسلام دين سيادة وسلطان ، وجمع بين سعادة الدنيا وسعادة الآخرة ، ومقتضى ذلك أنه دين روحانى اجتماعى ، ومدنى عسكرى ، وأن القوة الحربية فيه لأجل المحافظة على الشريعة العادلة ، والهداية العامة ، وعزة الملة ، لا لأجل الإكراه على الدين بالقوة (ثالثها) أن المسلمين ليس لهم جنسية إلا دينهم ، فهم إخوة لا يجوز أن يفرقهم نسب ولا لغة ولا حكومة.
تلك المقالات التى حببت إلىّ حكيمى الشرق ، ومجددى الاسلام ومصلحى العصر ، السيد جمال الدين الحسينى الأفغاني والشيخ محمد عبده المصرى ، وهما اللذان أنشآ جريدة العروة الوثقى فى باريس سنة ١٣٠١ عقب احتلال الانكليز لمصر فى أواخر سنة ١٢٩٩ وكان الكاتب لتلك المقالات العالية فيها هو الثاني ولكن بإرشاد الأول وإدارته وسياسته ، وهو أستاذه فى هذا المنهج ومربيه عليه.
توجهت نفسى بتأثير العروة الوثقى إلى الهجرة إلى السيد جمال والتلقى عنه وكان قد جاء إلى الآستانة فكتبت إليه بترجمتى ورغبتى فى صحبته وأنه لا يصدنى عنها إلا إقامته فى الآستانة لاعتقادى أنه لا يستطيع طول المقام فيها ، وعللت ذلك بقولى «لأن بلاد الشرق أمست كالمريض الأحمق يأبى الدواء ويعافه لأنه دواء»
وبعد أن توفاه الله تعالى إليه فيها تعلق أملى بالاتصال بخليفته الشيخ محمد عبده للوقوف على اختباره وآرائه فى الاصلاح الاسلامى ، وما زلت أتربص الفرص
![تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ] [ ج ١ ] تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4494_tafsir-alquran-alhakim-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)