فانّهم ينقلون التواريخ والقصص من الطوامير والاساطير القديمة اعتمادا على ظواهرها وذلك كاشف عن عدم اعتنائهم باحتمال وجود القرينة الحالية ونحوه ويمكن الايراد على الآية الكريمة بان الامر الوارد عقيب يقين الخطر او ظنه او توهّمه انما يرفع الخطر فقط كما ان النّهى الواقع عقيب الامر لا يرفع الّا الوجوب وامر اسجدوا هنا واقع عقيب الخطر اذ السّجود لغير الله تعالى كان حراما وقبيحا بالذات فى الامر ورد بعد الحظر فلا يستفاد منه إلا رفعه لكن لما كان رفع الخطر اعمّ من الوجوب والندب والاباحة وكان المقصود هنا الوجوب بالاتفاق علمنا ان اللّفظ كان مقترنا بقرينة تفيد الوجوب وتلك القرينة رافعة للقرينة الصّارفة عن المعنى الحقيقى إن كانت الصّيغة موضوعة للوجوب كالقرينة الموضوعة المنصوبة لرفع صرف الشهرة عن الحقيقة فى المجاز المشهور رافعة لها مع تعيينها احد المعنيين الحقيقيين إن كانت مشتركة لفظا بين الوجوب وبين الندب ومفهمة المجازات الأخر لو كانت حقيقة فى الندب رافعة لها مع تعيينها احد إن كانت الصّيغة مشتركة معنوية فمع الاحتمالات المذكورة للقرينة المقطوعة سقط الدلالة ولقابل الجواب من ذلك بمنع ورود الامر عقيب الخطر امّا اولا فلان الاجماع على حرمة السّجود لغير الله تعالى على الملائكة مم وامّا ثانيا فسلّمنا ولكن كون الامر الواقع وعقيب الخطر لمحض رفعه انما هو اذا تعلّق الامر بنفس المخطور وهاهنا المخطور هو السّجود لغير الله تعالى والمامور به هو السجود لله تعالى وآدم على نبيّنا وعليهالسلام انّما هو جهة السجود كالكعبة لا انه المسجود له حقيقة فان قلت ترك ابليس السجود كاشف عن كون آدم ع هو المسجود له حقيقة لا غير قلنا استكباره انما كان لاجل جعله جهة السجود دونه عليه اللّعنة ويمكن الايراد على الآية الكريمة بان حمل كلمة الاستفهام على الانكار مجاز وهو فرع تعذر الحقيقة وهى ممكنة هنا لان الاستفهام اعمّ من ان يكون لاجل نفسه او لاجل غيره وهو حقيقة فيهما والممتنع هنا هو الاوّل فيحمل على الثّانى ودليل كونه حقيقة فيهما مع عدم صحة السّلب عن المستفهم لاجل غيره وكذا كلّ ما كان مصدر الباب الاستفعال حقيقة فى طلب الفعل ولو لاجل غيره كما فى قولك استكتبته وقد استكتبت لغيره فلا يصحّ السّلب وكذا قولك استفهمت زيد العمرو وهكذا فبعد ما امكن الحمل على الحقيقة وهو طلب الفهم للغير حملنا الآية الشريفة عليه فيسقط الدلالة لجواز كون الامر للندب ويكون مقصوده تعالى اقرار ابليس على ان سبب ترك السّجود انّما كان هو الاستكبار ليعاقب عليه وان لم يكن السّجدة واجبة وفيه ان غاية ما ثبت من ذلك كون مادّة الاستفهام حقيقة فى الاعمّ من طلب الفهم للغير وامّا كلمة ما الواقعة فى الآية فهى موضوعة لطلب الفهم للنفس للتبادر ولا ملازم بين مادّة الاستفهام وصيغته من حيث الوضع ولا يمكن اجراء عدم صحّة السّلب فى الحروف حتّى يعلم كونها حقيقة فى الاعمّ من الطلب لفهم الغير فان قلت اذا ثبت كون المادة للاعمّ ثبت فى الصيغة ايضا لقول النحويين واتفاقهم على ان كلمة ما للاستفهام من دون تقييد منهم على (١) فرد خاص منه قلنا ان هذا الاطلاق فى كلامهم منصرف الى الفرد الشائع لمادّة الاستفهام وهو الطلب الفهم للنّفس لا مط فلا عموم فى كلامهم سلمنا كون وضعها للاعمّ كمادتها لكن لا دليل على وجوب تقديم كلّ حقيقة على المجاز فان الاستفهام الانكاري وإن كان مجازا لكنه ارجح من الحمل على الطلب لفهم الغير لمرجوحيّة بالنسبة اليه فتامل ويمكن الخدشة فى الآية الشّريفة بمنع كون الاستفهام الانكاري اقرب المجازات بل الاقرب هو الاستفهام التقريرى لكونه مشاركا مع المعنى الحقيقى فى جنس الاستفهام وان خالفه فى الفصل باعتباره لاجل غيره لا لاجل نفسه بخلاف الانكاري فانه لا يشارك فى الجنس ايضا فلا يتم الدّلالة لجواز كون الغرض من السّؤال هو الاقرار على الاستكبار الذى هو سبب ترك السجود فيعاقب عليه وإن كان السجود مستحبا وفيه ان الانكارى اقرب عرفا والتقريرى اعتبارا فيقدّم الاوّل ويمكن الايراد على الآية ايضا بان الثابت منها ان المادّة للوجوب والكلام انما هو فى الصّيغة فان قلت ان المراد بالامر هو اسجدوا فى قوله تعالى واذ قلنا للملائكة اسجدوا قلنا ان ذلك فرع كون قال موضوعا لحكاية الشّخص اللّفظ المقول حتّى يكون قوله تعالى قلنا حاكيا للفظ اسجدوا والصادر حين الخطاب ليتم المط وهو
مم كيف وقد اختلفوا فى ذلك فى بحث نقل الحديث بالمعنى فقيل بان قال موضوع لحكاية شخص اللفظ وقيل لمطلق الحكاية وإن كان المحكى هو الاشارة بان يفهم احد الاشياء بالاشارة فيصدق انه قال كذا او الالهام او اللّفظ الآخر واذا احتمل كون قال موضوعا للاعمّ فيمكن ان يقال ان الله افهم الملائكة بالوحى والالهام فحكى ذلك للنبى ص بقوله واذ قلنا معبرا عن ذلك الامر اللّبى بكلمة اسجدوا فلم يتحقّق الامر باسجد حتى يتم الدلالة وفيه انه قال موضوع لحكاية شخص اللّفظ المنقول كما قاله المش فمع الاشتباه يحمل على نقل شخص اللّفظ فيحمل الآية على ذلك سلّمنا ان الوضع للاعمّ لكن كلامنا فى لفظ اسجدوا الواقع فى الآية وإن كان المحكى الوحى او اللّفظ الآخر فنقول لفظ اسجدوا الواقع فى الحكاية للبشر المراد منه الوجوب كما يستفاد من القرائن المنفصلة عن الخطابات فاذا كان المراد الوجوب فامّا فهم البشر المخاطب به الوجوب او النّدب او الاشتراك اللفظى والمعنوى فان فهموا الوجوب فالمط ثابت والا لزم الخطاب بما له ظ وارادة خلاف ظاهره بلا قرينة وهو قبيح للزوم تاخير البيان عن وقت الحاجة وآية ما منعك ان لا تسجد اذ امرتك منفصلة عن قوله تعالى اسجدوا فثبت كون اسجدوا بنفسه مفيدا للوجوب ويمكن الايراد بوجه آخر وهو ان الثابت من الآية كون الامر فى عرف الملائكة للوجوب لا فى عرف البشر الذى هو المقصود لا يقال الاصل اتحاد العرفين لانا نقول المراد من الاصل إن كان هو اصل عدم تعدد الوضع فلا يجرى لان الواضع للسان البشر والملائكة معا إن كان هو الله تعالى فلا يعقل للاصل المذكور معنى الّا اصالة عدم الحادث ولا وجه له لانه صدر من الله تعالى شيء قطعا بالنسبة الى البشر بعد وضعه تعالى الالفاظ للملائكة ولكن شككنا فى انه وضع آخر للبشر ام اخبار اياهم بالوضع الحاصل للملائكة فيكون الشك فى الحادث وإن كان الواضع للملائكة هو الله وللبشر هو البشر فصدور الوضع قطعى والشك انّما هو فى الموضوع له فالشّك ايضا فى الحادث فلا يجرى
__________________
(١) بفرد
