بالمعنى الاعمّ لان طلب فعله بالمعنى الاعمّ او جعله مباحا مستلزم للمحذورين المتقدمين وان لم يكن مصلحة فى الفعل ولا فى الترك تعين جعله مباحا والا لزم الترجيح بلا مرجّح
الثانية انه لا ريب فى اختلاف احكام الله تعالى نوعا
وانها منوعة بالانواع الخمسة من الوجوب والحرمة واخواتهما
الثّالثة ان اختلاف تلك الاحكام إن كان لاختلاف المصالح والمفاسد
الموجودة فى متعلقاتها بمعنى انما تعلق به الامر انما هو لاجل مصلحة فى الفعل وما تعلّق به النهى بالعكس وما تعلق به الاباحة مساو طرفاه فالمط ثابت والا لزم امّا ترجيح المرجوح او التسوية بينه وبين الراجح او الترجيح بلا مرجّح كما مر وقد مرّ بطلانها
الدّليل الرّابع قوله تعالى (وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ)
وقوله تعالى (لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ) فانّهما تدلان على انه تعالى ينهى عن القبائح النفس الامرية ولا يأمر بها وان هذا الا لمفاسد كامنة فيها فثبت ان المناهى معلّلة بالاغراض ويتم الامر فى غير المناهى بالاجماع المركّب ان كان موجودا كما هو كذلك والا فيصير هذا ايضا كالدليل الاوّل فى نفى السّلب الكلى واثبات الايجاب الجزئى
الخامس الاخبار المتواترة معنى الدالة
على انه يجب على الله تعالى بيان مصالح العباد ومفاسدهم ولا ريب ان بيانه تعالى تلك المصالح والمفاسد انما هو بنفس الاوامر والنواهى فان بيانه ليس كبيان غيره فلا بد ان تكون هاهنا مصالح ومفاسد يكشف عنها الاوامر والنواهى والا لم يكن لتلك الاخبار وجه صحة ثم ان تلك الاخبار لا تصير دليلا على الاشعري نعم هى ادلة سكوتية لا اسكاتية فالدليل الاخير إقنائي لا الزامى ثم اعلم ان ثمرة هذا النزاع اثبات المبحث الثالث لمن يقول بتبعية الاحكام للصفات لو كان مثبتا للمقام الاوّل للمبحث الاول
والبحث السّادس
الذى ياتى انش فان قلت ان من اقسام التكاليف باعترافك الابتلائى الذى يكون المقصود فيه نفس التوطين على الفعل باتيان مقدماته ولا مصلحة فى نفس المامور به اصلا فنقول يجوز ان يكون كل الاحكام من هذا القسم فلا دليل على وجود المصالح والمفاسد فى نفس الافعال التى تعلق بها الاحكام قلنا اولا انا وان قلنا بصحّة التكليف الابتلائى لكن نمنع كون جميع تكاليفه تعالى من هذا الباب لان لازم ذلك منعه تعالى عن اتيان نفس تلك الافعال المامور بها بعد الاتيان بمقدّماتها كما هو لازم التكليف الابتلائى التوطينى لان المقصود حصل بعد الاتيان بالمقدّمة فابقاء الامر بعده لغو وسفه مع انا نرى خلاف ذلك فى كثير من الافعال الّتى تعلق بها الامر ولم يرفع الى ان حصل الفعل فى الخارج من المكلّف فخرج عن كونه ابتلائيا وثانيا ننقل الكلام الى نفس التوطين فنقول لا بدّ فيه من المصلحة حتى يؤمر به والّا لزم الترجيح بلا مرجّح ان لم يكن مصلحة فى فعل التوطين وتركه او ترجيح المرجوح إن كانت المصلحة فى الترك بالتفصيل الذى مرّ فان قلت يمكن منع تبعية الاحكام للصفات الكامنة فى نفس الاشياء بان يقال ان الغرض من جعل الاحكام نفس التعبّد والاطاعة والانقياد للثواب والعقاب وذلك الغرض وان حصل بانحاء مختلفة لكن لما كان الامر بالكل اى لكلّ فعل او النهى عن كلّ فعل تكليفا بما لا يطاق فجعل بعض الافعال مامورا به وبعضا منه منهيا عنه وبعضا آخر مباحا مثلا فصار الاحكام انواعا مختلفة لا نوعا واحدا ثم السبب فى جعل شيء خاص كالصّلاة مامورا به وشيء خاص منهيّا عنه كالزنا مع امكان تحصيل ذلك الغرض فى العكس ايضا لعلّه كون بعض الافعال ممّا يرغب اليه الطبع كالزّنا والشرب فنهى الله تعالى عنه ليحصل فى الترك كف نفس ويظهر بسببه كون العبد مطيعا فان فعل ما يميل اليه الطبع لا يظهر فيه الاطاعة بل تركه مظهر لها وكون بعض منها ممّا يرغب عنه الطبع فامر به ليظهر الاطاعة فى الفعل كالصّلاة والحج والصوم والخمس والزكاة ونحوها فان ذلك اقرب بالعبودية فلا يلزم ح لغويّة لا فى جعل سنخ الاحكام لما عرفت من ان الغرض لعله حصول التعبّد ولا فى جعل الاحكام انواعا لما عرفت من لزوم التكليف بما لا يطاق فى جعل الكل امرا او نهيا ولا فى جعل خصوص شيء مامورا به والآخر منهيّا عنه لا العكس لما عرفت من احتمال كون بعض اقرب الى حصول ذلك الغرض من البعض الآخر فامر به ونهى عن الآخر ومع ذلك كلّه لا صفة فى نفس الفعل اصلا سوى حصول التعبد المشترك بين الجميع قلنا منع تبعية الاحكام للصفات الكامنة فى نفس الافعال ويشهد على ما ذكرنا من كون الغرض نفس التعبد قوله تعالى (وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) فدلت الآية على ان الغرض هو نفس التعبّد والانقياد وان اختلاف الاحكام انما هو من باب مقدمة حصول ذلك الكلى وبالجملة الآية تفيد حصر الغرض فى التعبد فلو كان الغرض منحصرا فى اظهار المصالح والمفاسد او كان الغرض ذلك مع حصول التعبّد ايضا لصارت الآية كذبا تعالى شانه عن ذلك علوّا كبيرا ويدل على ذلك ايضا قوله تعالى (وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ) وجه الدلالة هو الوجه فى الآية السّابقة اعنى الحصر المستفاد من الآية ويدل على كون الغرض محض التعبّد ايضا لا اظهار المصالح والمفاسد الكامنة انه لو كان الغرض ما تقولون به لزم خلاف اللطف عليه تعالى بيانه انكم تقولون ان التكليف لطف ومعنى هذه العبارة على الغرض ان اظهار المصالح والمفاسد لطف ويقولون ايضا ان تفويت المصلحة من العبد موجب لاستحقاق العقاب وان هذا الا خلاف اللطف اما ترى انه لو كان لعبد ضعيف مولى رؤف فى الغاية فامره بشرب السّقمونيا لمصلحة نفسه رأفة منه له ففوت العبد تلك المصلحة بسوء اختياره فقتله المولى بالسّيف ادعاء فيه عقابا شديد الاجل تفويته المصلحة من نفسه بنفسه بحيث لا يمكن التدارك بعده لذم العقلاء ذلك المولى معللين بان فعله هذا مناف للرّافة قلنا ما اردت من التعبّد الذى جعلت الاحكام لاجله فان اردت منه الاطاعة والانقياد بعد تعلّق الامر والنّهى فلا كلام فى حسنه ولكن الكلام فى ان الداعى على صدور الامر والنّهى ما ذا مع انّه بلا داع فهو قبيح ومع ذلك لو
اهمل العبد بعد الامر صار مذموما ولو اطاع صار ممدوحا وان اردت منه الاطاعة والانقياد قبل صدور الامر والنهى بمعنى التذلل والخشوع والتهيؤ للاطاعة كما هو ديدن المطيعين بالنسبة الى مواليهم فلا كلام فى حسنه ايضا بل هو معنى وجوب شكر المنعم الذى يحكم العقل بوجوبه وهو الداعى بسنخ جعل التكليف
