قوله تعالى (وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ) فنقول ان التحرز من الضّرر الاخروي المشكوك او الموهوم القاء النفس الى التّهلكة بيده وكلّما كان كذلك فهو حرام فهذا حرام فان قلت ان تلك الآية الشريفة معارضة مع الادلّة الدّالة على ثبوت التكليف باطلاقها حتى عند الاقتضاء الى التّهلكة وتلك الآية انّما تدل على حرمة الالقاء الى التّهلكة حتّى عند ثبوت التكليف فما وجه الترجيح بعد كون النّسبة عموما من وجه قلنا قد اشتبه عليك الامر فان المفروض ان الصّغرى محلّ الشك نعم لو كان التكليف ثابتا ولو ظنّا لكان ما ذكرت وارد او ليس فليس فان قلت انه كما يدلّ الآية على حرمة ارتكاب الضرر الدنيوى لكونه داخلا فى الصّغرى كذلك تدلّ على حرمة عدم التّحرز عن الضرر الاخروى ايضا فكما تقول فى الضرر الدنيوى هذا ممّا يكون مرتكبه ملقيا نفسه الى التهلكة وكلّما كان كذلك فهو حرام كذلك تقول فى الضرر الاخروى هذا ممّا يكون تاركه ملقيا الى التّهلكة بيده وكلّما كان كذلك فهو حرام فهذا حرام فما وجه الترجيح قلنا اوّلا
ان المتبادر من التّهلكة انما يكون هى التّهلكة الدنيويّة قد يقال فيه نظر لانا بعد ان سلّمنا ان المتبادر من التهلكة الدنيويّة لا الاعمّ ثبت منه المط بوجه آخر وهو انّه بعد ما اثبتنا ان الالقاء الى التّهلكة الدنيوى حرام فالاخروى بطريق اولى وفيه تامل وثانيا ان دلالة هذا الدليل على مطلب الخصم موقوفة على دلالة الادلّة اللّفظية على اثبات الصّغرى والمفروض خلافه فان المفروض ان الصغرى محل الشكّ فان قلت ان ما ذكرت من رجوع المسألة الى الشك فى التكليف انّما يكون مسلّما اذا كان فى الواجبات الاصلية وامّا التوصّلية فلا لوقوع الشك فيها فى المكلف به ألا ترى ان الجنب حين حضور الوقت وحصول القطع بالتّهلكة لو اغتسل لشدة البرد او لغيره امّا ان يكون تكليفه ح وجوب الغسل وحرمة التيمّم او العكس لا الوجوب الصرف او الحرام الصرف حتى يرجع المسألة الى الشكّ فى التكليف بل الشك فى المكلّف به والقوة العاقلة حاكمة بلزوم اتيان كليهما لتحصيل القطع بالامتثال بعد القطع بالاشتغال بل رجوع المسألة فى الواجبات الاصليّة الى الشك فى التكليف ايضا مم لان صوم الرمضان للقاطع بالتّهلكة او الظان بها اما حرام او واجب فاذن يكون الشك فى المكلف به ايضا لا فى التكليف حتى يرجع الى اصالة البراءة فما وجه ترجيح الوجوب على الحرمة مع تساوى الاحتمالين قلنا الحق ان الشك انما هو فى المكلّف به لكن الامر دائر بين ان يرتكب المكلّف ما هو مشكوك الضرر فى العقبى وما هو مقطوع الضرر فى الدنيا ومشكوك الضرر فى العقبى ولا ريب ان القوّة العاقلة حاكمة بان المتحرّز عن الاخير وارتكاب الاوّل اولى وعليه بناء العقلاء ألا ترى انه لو دار الامر بين قطع طريق يحتمل صيرورته فيه مقتولا وأخر يحتمل ايضا صيرورته فيه مقتولا مع كونه قاطعا بقطع يده فى الاخير لاختار الاوّل بحيث لو اختار الشخص الاخير لعدّ سفيها وفيما نحن فيه الامر من هذا الباب فيحتمل وجوب الصّوم وحرمته مع القطع بالهلاكة فى الصوم فبعد تعارض احتمال الوجوب والحرمة يبقى القطع بالضرر الدنيوى سليما عن المعارض الثانى من الوجوه الدالّة على صرف الادلّة الظنّية عن ظواهرها انّها معارضة بالآيات الكثيرة الدالّة على نفى العسر والحرج كقوله تعالى (يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) والنّسبة بين المتعارضين عموم من وجه ففى صورة الاجماع يحصل التعارض ويقطع المتساقط فيصير الشكّ فى التكليف فأرتّب القياس السّابق من ان هذا ممّا يكون الشكّ فيه شكا فى التكليف وكلّما كان كذلك فالاصل البراءة عنه ويحصل من نتيجة هذا القياس صغرى قياس آخر وهى ان هذا ممّا يكون مضرا على العبد من غير وجه فيضم اليه الكبرى القطعيّة التى اثبتناها بالكتاب والاجماع والعقل فيتم المط الثالث انها معارضة بالاخبار النّافية للعسر والحرج منها بعثت على الملة السّمحة السّهلة والتعارض ايضا عموم من وجه فيحصل فى صورة الاجماع التعارض والتساقط والشك فى التكليف ويربط القياس بمثل ما مر الرابع انّها معارضة مع قوله تعالى (وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ) والتعارض ايضا عموم من وجه فيستدل بمثل ما مر وبالجملة ظهر من تظافر ما ذكر ان صوم رمضان ان لم يقطع بالهلاكة حرام قطعا وكذا غسل الجنابة
وان شرب الخمر مع القطع بالهلاكة عند الترك واجب قطعا وامثال ذلك ممّا لا يخفى ما عدا الوطى ثم ان التمسك بقوله لا شفاء فى الحرام فى هذا المقام نظرا الى ان هذا حرام وكل حرام لا شفاء فيه نظرا الى ان الصغرى والكبرى كليهما ممنوعتان اما الصغرى فلان كون الخمر عند استلزام ترك شربه للتهلكة حراما اول الدعوى فان قلت ان المراد من الحرام فى الرّواية ما يكون حراما بالذات وبالنّوع لا بالفعل قلنا ان الحرام من المشتقات ولا شك ان المتبادر منها عند الاطلاق لا يكون الّا الاتصاف بالمبدإ بالفعل وامّا الكبرى فلان ما يكون حراما لا شفاء فيه اوّل الدعوى فان تمسّكت بالرّواية ففيه ان الرواية بظاهرها مخالفة للواقع بالبداهة لانا نرى بالحسن والعيان الشفاء فى الحرام فاذا لم يكن ظاهرها مرادا فيكون المراد مشتبها فيصير الرواية مجملة فان قلت ان من المبرهن فى محله انه لو كان جملة خبريّة يكون ظاهرها كذبا لا بدّ من حملها على الإنشاء واذن يكون الرواية مثبتة لمطلوبنا فكانه قال لا يجوز الاستشفاء بالحرام او لا تستشف بالحرام
قلنا لا ريب فى ان تاويل الخبر الى الإنشاء مجاز قطعا والمجاز لا يكون منحصرا به فيه بل يحتمل ان يكون المراد نفى الشفاء من الحرام المعهود لا من جنس الحرام ويحتمل ان يكون المراد نفى الشفاء الباطنى ويحتمل ان يكون المراد الإنشاء وليس احد تلك الاحتمالات اولى من الآخر فيكون الرّواية مجملة والملخص ان اثبات الكبرى التى هى من اعظم الكبريات فى اثبات الاحكام نفعا بهذه الرواية التى لا يكون سندها معلوما ولا دلالتها معلومة مما لا وجه له هذا حال الواجبات والمحرمات الاكلية والشربية وامّا الفروج ففيها اشكال لكن الحق ان ذلك مجرّد الفرض اى انحصار المضر فى الوطى مع المحارم والاجنبية او الاحتياج الى الوطى لدفع الشهوة وهو ممكن بالاستمناء وغيره وبالجملة لو تحقق مثل هذا الفرض لقلنا ان الموطوءة التى انحصر الامر فى وطئها امّا من الانساب او الاجانب امّا الاوّل فلا شبهة فى لزوم ترك وطئها وان افضى الى الهلاك للمنافرة فى الغاية بحيث يستبعد العقل غاية الاستبعاد تجويز
