ثالث لهما ، فعلى الأول يجب وجوده بالشكل الحالي ويستحيل وجوده بشكل آخر وعلى الثاني عكس ذلك وحيث ان العالم قد وجد بهذا الشكل فنستكشف عن وجود المرجح فيه لا في غيره.
(الثانية) قد عرفت ان للفعل الصادر من العبد إسنادين حقيقيين (أحدهما) إلى فاعله مباشرة (وثانيهما) إلى معطي مقدماته ومباديه التي يتوقف الفعل عليها وهو الله سبحانه وتعالى. ولكن قد يكون اسناده إلى الله تعالى أولى في نظر العرف من اسناده إلى العبد ، وقد يكون بالعكس ولتوضيح ذلك نأخذ بمثال وهو ان من هيأ جميع مقدمات سفر شخص إلى زيارة بيت الله الحرام مثلا من الزاد والراحلة ونحوهما وسعى له في إنجاز تمام مهماته وقد أنجزها حتى أحضر له سيارة خاصة أو طائرة فلم يبق الا ان يركب فيها ويذهب بها إلى الحج ، فعندئذ إذا ركب فيها وذهب وأدى تمام المناسك ، فالعرف يرى أولوية اسناد هذا العمل إلى من هيأ له المقدمات دون فاعله. واما لو استغل هذا الشخص الطائرة وذهب بها إلى مكان لا يرضى الله ورسوله به وعمل ما عمل هناك ، فالفعل في نظر العرف مستند إلى فاعله مباشرة دون من هيأ المقدمات له. وكذلك الحال في افعال العباد ، فان كافة مباديها من الحياة والقدرة ونحوهما تحت مشيئته تعالى وإرادته كما عرفت سابقاً. هذا من ناحية. ومن ناحية أخرى ان الله تعالى قد بين طريق الحق والباطل ، والهداية والضلال ، والسعادة والشقاوة ، وما يترتب عليهما من دخول الجنة والنار بإرسال الرسل وإنزال الكتب.
فالنتيجة على ضوء هاتين الناحيتين هي ان الله تعالى يعطى تلك المبادي والمقدمات لهم ليصرفوها في سبل الخير وطرق الهداية والسعادة ويرتكبوا بها الأفعال الحسنة ، لا في سبل الشر وطرق الضلالة والشقاوة ، وعندئذ
![محاضرات في أصول الفقه [ ج ٢ ] محاضرات في أصول الفقه](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4452_mohazerat-fi-usul-alfiqh-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
