واقع الأمر بين الأمرين ، بتقريب ان المشيئة الإلهية لو لم تتعلق بإفاضة الحياة للإنسان والقدرة له فلا يملك الإنسان لنفسه نفعاً ولا ضراً ، ولا يقدر على شيء ، بداهة أنه لا حياة له عندئذ ولا قدرة كي يكون مالكاً وقادراً ، فملكه النّفع أو الضر لنفسه يتوقف على تعلق مشيئة تعالى بحياته وقدرته آناً فآناً ، ويدور مداره حدوثاً وبقاء ، وبدونه فلا ملك له أصلا ولا سلطان.
ومنها قوله تعالى (يضل من يشاء ويهدي من يشاء) حيث قد أسندت الآية الكريمة الضلالة والهداية إلى الله سبحانه وتعالى ، مع انهما من افعال العباد. وسره ما ذكرناه من ان افعال العباد وأن لم تقع تحت مشيئة الباري عزوجل مباشرة إلا ان مبادئ تلك الأفعال بيد مشيئته تعالى وتحت إرادته ، وقد تقدم ان هذه الجهة كافية لصحة اسناد هذه الأفعال إليه تعالى حقيقة من دون عناية ومجاز.
فالنتيجة ان هذه الآيات وأمثالها تطابق نظرية الأمر بين الأمرين ولا تخالفها. وتوهم ان أمثال تلك الآيات تدل على نظرية الجبر ـ خاطئ ـ جداً ، فان هذا التوهم قد نشأ من عدم فهم معنى نظرية الأمر بين الأمرين فهماً صحيحاً كاملا ومطابقاً للواقع الموضوعي ، وأما بناء على ما فسرنا به هذه النظرية فلا يبقى مجال لمثل هذا التخيل والتوهم أبداً.
ثم انه لا بأس بالإشارة في نهاية المطاف إلى نقطتين :
(الأولى) ان الفخر الرازي قد أورد شبهة على ضوء الهيئة القديمة وحاصلها هو ان الله تعالى خلق الكائنات على ترتيب خاص وحلقات تصاعدية مخصوصة وهي انه تعالى خلق الكرة الأرضية وجعلها نقطة الدائرة ومركزاً لها ، ثم كرة الماء ، ثم كرة الهواء ، ثم كرة النار ، ثم الفلك الأول وهكذا إلى ان ينتهي إلى الفلك التاسع وهو فلك الأفلاك المسمى
![محاضرات في أصول الفقه [ ج ٢ ] محاضرات في أصول الفقه](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4452_mohazerat-fi-usul-alfiqh-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
