كل منهما ، اما إلى العبد فحيث أنه صار متمكناً من إيجاد الفعل وعدمه بعد ان أوصل المولى القوة إليه وأوجد القدرة في عضلاته وهو قد فعل باختياره وإعمال قدرته ، وأما إلى المولى فحيث أنه كان معطي القوة والقدرة له حتى حال الفعل والاشتغال بالقتل ، مع أنه متمكن من قطع القوة عنه في كل آن شاء وأراد ، وهذا هو واقع نظرية الأمر بين الأمرين وحقيقتها.
وبعد ذلك نقول : ان الأشاعرة تدعى ان افعال العباد من قبيل الأول ، حيث أنها لم تصدر عنهم باختيارهم وإرادتهم بل هي جميعاً بإرادة الله تعالى التي لا تتخلف عنها ، وهم قد أصبحوا مضطرين إليها ومجبورين في حركاتهم وسكناتهم كالميت في يد الغسال. ومن هنا قلنا ان في ذلك القضاء الحاسم على عدالته سبحانه وتعالى. هذا من ناحية. ومن ناحية أخرى قد تقدم نقد هذه النظرية بشكل موسع وجداناً وبرهاناً. وقد أثبتنا ان تلك النظرية لا تتعدى عن مجرد الافتراض بدون ان يكون لها واقع موضوعي.
والمعتزلة تدعى ان افعال العباد من قبيل الثاني وانهم مستقلون في حركاتهم وسكناتهم ، وانما يفتقرون إلى إفاضة الحياة والقدرة من الله تعالى حدوثا فحسب ، ولا يفتقرون إلى علة جديدة بقاء. بل العلة الأولى كافية في بقاء القدرة والاختيار لهم إلى نهاية المطاف. ومن هنا قلنا ان هذه النظرية قد أسرفت في تحديد سلطنة الباري سبحانه وتعالى. هذا من ناحية ومن ناحية أخرى قد سبق ان تلك النظرية تقوم على أساس نظرية الحدوث وهي النظرية القائلة بان سر حاجة الأشياء إلى أسبابها هو حدوثها ، ولكن قد أثبتنا آنفاً خطأ تلك النظرية بشكل واضح ، وان سر حاجة الأشياء إلى أسبابها هو إمكانها الوجوديّ لا حدوثها ، ولا فرق فيه بين الحدوث والبقاء.
![محاضرات في أصول الفقه [ ج ٢ ] محاضرات في أصول الفقه](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4452_mohazerat-fi-usul-alfiqh-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
