الاستحسان والاجتهاد باطل عندنا (١).
وتدل هذه النصوص بتعاقبها التاريخي المتتابع على ان كلمة الاجتهاد كانت تعبيرا عن ذلك المبدأ الفقهي المتقدم. وهو جعله مصدرا للحكم الشرعي مستقلا ، وفي قبال الكتاب والسنة.
ويستفاد أيضا ان نفس كلمة الاجتهاد كانت ذات حساسية ، وتثير الاشمئزاز لأنها كانت مرادفة للقياس والاستحسان كما يظهر ذلك واضحا من العبارات المتقدمة لأعلام المذهب.
الّا ان مفهوم الاجتهاد أخذ بعدا آخر بعد ان تطور وتهذب وتبلور عما كان يحمله من رواسب الاقتران بالقياس والاستحسان ، وأخذ الاعلام يضمنونه لعباراتهم ، ولا يرون فيه أي حرج ، كما هو الملاحظ في عبارات المحقق الحلي في كتاب المعارج. وأيّ حرج فيه بعد ما كان موافقا مع مناهج الاستنباط في الفقه الإمامي ويعبّر عن الجهد الذي يبذله الفقيه في استخراج الحكم الشرعي من أدلته ومصادره ، فلم يعد مصدرا من مصادر الاستنباط ، بل هو عملية استنباط الحكم من مصادره التي يمارسها الفقيه.
ولا يخفى ان الصراع المتقدّم ، والحرب الكلامية ضد الاجتهاد ، كانت ضد الاجتهاد بما هو لفظ الاجتهاد دون معناه ، لما يشم منه رائحة إبداء الرأي ، وهو مستهجن عندهم ، وإلّا فان الاجتهاد بمعناه الإمامي ، وهو استنباط الحكم مستندا إلى الكتاب والسنة ، أو إلى القواعد المتخذة منهما ، فقد ما رسوه فعلا حتى في زمن حضور الأئمة عليهمالسلام بل ان الصحاح المروية عن زرارة والحوار الذي دار بينه وبين الإمام الباقر عليهالسلام ، وإعطاء الإمام لزرارة قواعد كلية يمكن تطبيقها على كثير من الموارد اثناء الاستدلال ، وكذلك ما رواه محمد بن مسلم عن الإمام الصادق عليهالسلام بما يرجع مضمونه إلى الحوار السابق ، كما وان إرجاع الأئمة عليهمالسلام ـ بعض من سألهم من
__________________
(١) دروس في علم الاصول للسيد محمد باقر الصدر ، الحلقة الأولى ص ٥٦.
