العرب ، والوقوف على دقائق اللغة العربية ، مع فهم كامل لأحكام القرآن ، والوقوف على ناسخه ومنسوخه ، ومحكمه ومتشابهه ... ويزداد هذا الجهد العلمي ضرورة ، وتتنوع وتتعمق متطلباته وحاجاته أكثر فأكثر ، كلّما ابتعد الشخص عن زمن صدور النص ، وامتد الفاصل الزمني بينه وبين عصر الكتاب والسنة ، بكل ما يحمله هذا الامتداد من مضاعفات ، كضياع جملة من الأحاديث ، وتغير كثير من أساليب التعبير ، وقرائن التفهيم ، والملابسات التي تكتنف الكلام ، ودخول شيء كثير من الدس والافتراء في المجاميع الحديثية ، الأمر الذي يتطلب عناية بالغة في التمحيص والتدقيق في أسانيد الروايات ، وفي دلالاتها.
يضاف إلى كل ذلك ، تطور الحياة الذي يفرض عددا كبيرا من الوقائع والحوادث الجديدة التي لم يعشها النص ، ولم يرد فيها الحكم الخاص ، فلا بد من استنباط حكمها على ضوء القواعد العامة ، وبطبيعة الحال ، فإن ذلك يتطلب تخصص علمي في فهم تلك المصادر ، واستخراج الأحكام الشرعية منها (١).
ومن هنا نشأت الحاجة إلى الاستدلال على الأحكام الشرعية ، والمعبّر عن هذه العملية «بالاجتهاد» : وهي عبارة عن الجهد الذي يبذله الفقيه في استخراج الحكم الشرعي من أدلته ومصادره ، وهو مأخوذ من المعنى اللغوي للاجتهاد الذي هو بذل الوسع للقيام بعمل ما.
فكل عملية لاستنباط الحكم الشرعي تسمى بالاجتهاد ـ سواء كان هذا الاستنباط مستندا إلى ظواهر النصوص أو لم يكن مستندا ، كما لو مارس الفقيه عملية استنباط للحكم الشرعي عن طريق تحديد موقف عملي طبقا للاصول المقررة عندهم ، سمي ذلك اجتهادا أيضا ، لما يستنبطه ذلك بذلا
__________________
(١) الفتاوى الواضحة للسيد محمد باقر الصدر : ص ٩٥ (بيروت ١٩٨١ ط ٧). وراجع ما كتبه الاستاذ الشيخ محمد إسحاق الفياض في النظرة الخاطفة في الاجتهاد : ص ٢٨ مؤسسة دار الكتاب قم : ١٤١٣ ه.
