لها مسألة خلق الأعمال أو خلق الأفعال أيضا ولأجل أهميتها قد استقلت بالتدوين قديما ، فأول من سئل عن هذه المسألة فكتب في الجواب رسالة مستقلة سيدنا وإمامنا أبو الحسن الهادي علي بن محمد العسكري عليهالسلام ، وقد أدرجها الشيخ الحسن بن علي بن شعبة في تحف العقول بعنوان ( رسالته عليهالسلام في الرد على أهل الجبر والتفويض ) ، ثم تبعه جمع من علمائنا والفوا في تحقيقه كتبا ورسائل سميت جملة منها بعناوين خاصة مثل إبطال الجبر والتفويض والأمر بين الأمرين وترجمه حديث الجبر والتفويض ، وتعديل الأوج والحضيض والحرية والجبرية وحقيقة الأمر وحل العقال وصراط حق وقصد السبيل وكشف الحقائق ، ونجاه الدارين في الأمرين بين الأمرين ونفي الإجبار وغيرها مما مر ويأتي ، ونذكر في المقام ما يعبر عنه بما مر من العنوان العام ، ويأتي خلق الأعمال في حرف الخاء ، وأول من كتب كتاب خلق أفعال العباد إمام أهل السنة محمد بن إسماعيل البخاري المتوفى (٢٥٦) مؤلف الصحيح المشهور أنه أصح الصحاح
__________________
العمل ، ومكنه لكن ليس له تعالى صنع ولا مشية ولا إرادة فيما هو عمل العباد ، بل صرحوا بأن الله لا يقدر على عين مقدور العبد ، ولا على مثل مقدوره ، فهم قد عزلوا الله تعالى عن سلطانه ، وأخرجوه من ملكه ، وأشركوا العباد معه في سلطانه ، ويقال لهم القدرية والمفوضة والمذهب الحق هو الوسط الذي يقول به الإمامية ، وهو أنه لا جبر ولا تفويض بل أمر بين الأمرين ، فهم يثبتون أن للعبد أفعالا اختيارية ، بمعنى إنها تصدر منه بتوسيط المقدمات الاختيارية ، التي يصح معها الثواب والعقاب ، وهي التصور ، والتصديق ، والشوق ، والعزم ، والإقدام ، وإن كانت تلك المقدمات تنتهي إلى ما ليس باختياره من الحياة والقدرة ، والحيز ، والزمان ، وغيرها ، لكن مجرد توسط المقدمات المذكورة يخرج الفعل عن الإجبار ، ويحكم العقل بحسن الثواب وعدم الظلم في العقاب ، نعم الأفعال التي لم يكن صدورها عن فاعله بتوسط تلك المقدمات يستقل العقل بالحكم بعدم استحقاق الثواب عليها وبقبح العقاب عليها لكونه ظلما ، وكما أنهم يثبتون الاختيار ينفون التفويض بأن تكون الأفعال الاختيارية مفوضة إلى العبد يفعل ما يشاء ، ويترك ما يشاء ، ولم يكن فيها صنع من الله ، ولا إرادة ولا مشية ، بل يثبتون أن لله تعالى إرادة تكليفية بفعل الطاعات التي يتمكن منها بالمقدمات الاختيارية ، وترك المعاصي التي يتمكن منها كذلك ، فإن وافق العبد ما أراده الله تعالى منه تكليفا يثاب عليه وإن خالفه يستحق العقوبة ، فالعبد مختار في الموافقة والمخالفة للإرادة التكليفية إن شاء يختار الإطاعة ، وإن شاء يختار المعصية ، وأما الإرادة التكوينية لله تعالى في كل شيء ، فليس في استطاعة أحد غير الله تعالى أن يعارضه في مراداته ، ولا أن يتخلف من مشية الله فيه ، ما شاء الله كان ، وما لم يشاء لم يكن ، ولا حول عن المعصية ولا قوة على الطاعة الا بالله تبارك وتعالى.
![الذّريعة إلى تصانيف الشّيعة [ ج ٥ ] الذّريعة إلى تصانيف الشّيعة](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F444_alzaria-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
