ثم بالغ سبحانه في حث المؤمنين على الجهاد ببيان مهانة الدنيا وعظمة أجر الآخرة بقوله : ﴿إِنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا﴾ والعمر فيها والاشتغال بزخارفها وزينتها ﴿لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾ وباطل وعمل سفهائي عند العقلاء وأهل البصيرة ﴿وَإِنْ تُؤْمِنُوا﴾ أيها الناس بما يجب الايمان به ﴿وَتَتَّقُوا﴾ الكفر والعصيان ومخالفة أحكام الله ﴿يُؤْتِكُمْ﴾ الله ﴿أُجُورَكُمْ﴾ ومثوبات أعمالكم الصالحة من الايمان والتقوى في الآخرة ، كما وعدكم به ﴿وَلا يَسْئَلْكُمْ﴾ الله ﴿أَمْوالَكُمْ﴾ جميعا ، فتتضررون في الدنيا بسبب الايمان والتقوى ، ويختل معاشكم ، حتى يصير الضرر مانعا من الايمان والتقوى ، وإنما يسألكم جزءا يسيرا منها بعنوان الزكاة كالعشر ونصف العشر.
وقيل : إن المراد لا يسألكم أموالكم لأنه ليس لكم مال ، بل جميع ما في ايديكم مال الله ، أو دعه عندكم ، وأجازكم في صرفه في محاويجكم تفضلا عليكم ، فلا ينبغي أن تمتنعوا عن صرفه فيما أمركم مالكه بصرفه (١) .
ثم قرر سبحانه لطفه بالمؤمنين بأن لم يرض بضررهم وحرجهم وفساد باطنهم وضمائرهم بقوله : ﴿إِنْ يَسْئَلْكُمُوها﴾ ويأمركم بصرفها ﴿فَيُحْفِكُمْ﴾ ويجهدكم بأمركم بصرف الكل في سبيله ﴿تَبْخَلُوا﴾ وتمتنعوا عن صرف الكل ﴿وَيُخْرِجْ﴾ الله بسبب ذلك الأمر والسؤال أو البخل ﴿أَضْغانَكُمْ﴾ وأحقادكم الحادثة بذلك السؤال ، فان ابن آدم ينقم ويبغض من يطمع في ماله ، ويوقعه في الضرر ، ولذا لم يسالكم جميع أموالكم.
﴿ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّما
يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَراءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ
لا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ (٣٨)﴾
ثم وبخهم سبحانه على بخلهم بصرف اليسير من أموالهم بقوله تعالى : ﴿ها أَنْتُمْ﴾ وتنبهوا أيها المؤمنون بأنكم ﴿هؤُلاءِ﴾ البخلاء الذين ﴿تُدْعَوْنَ﴾ من قبل الله ﴿لِتُنْفِقُوا﴾ يسيرا من أموالكم ﴿فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ وترويج دينه ، واعانة أوليائه ﴿فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ﴾ ويمتنع ببخله عن الانفاق ، والحال أن ﴿وَمَنْ يَبْخَلْ﴾ بماله على الفقراء والمجاهدين وسائر الوجوه البرية ﴿فَإِنَّما يَبْخَلُ﴾ ويمسك الخير ﴿عَنْ نَفْسِهِ وَ﴾ يحرم من منافعه.
﴿اللهِ﴾ تعالى هو ﴿الْغَنِيُ﴾ بذاته عنكم وعن أموالكم وصدقاتكم ﴿وَأَنْتُمُ الْفُقَراءُ﴾ إليه وإلى ما
__________________
(١) تفسير الرازي ٢٨ : ٧٤.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٥ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4438_nafahat-alrahman05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
