الحاضرين عندهم ، لو كان خيرا ما سبقنا إليه اولئك الفقراء الغائبون (١) .
قيل : إنّ هذا كلام كفّار مكّة (٢) ، وقيل : لمّا أسلمت جهنية ومزنية وغفّار وأسلم ، قالت بنو عامر وغطفان وأسد وأشجع : لو كان خيرا ما سبقنا إليه رعاء اليهم (٣) .
وقيل : إنّ أمّة لعمر أسلمت ، وكان عمر يضربها حتى يفتر ، ويقول : لو لا إنّي فترت لزدتك ضربا ، فكان كفّار قريش يقولون : لو كان ما يدعو إليه محمد حقّا ، ما سبقنا إليه أمة عمر (٤) .
وقيل : لمّا أسلم عبد الله بن سلام قالت اليهود ذلك (٥) .
ثمّ ردّهم بقوله : ﴿وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا﴾ بالقرآن ، كما اهتدى به المؤمنون ، ولم يرشدوا إلى الحقّ ﴿بِهِ﴾ لعدم تدبّرهم فيه ، وعدم وقوفهم على جهات إعجزاه ، ظهر عنادهم وقالوا ما قالوا ﴿فَسَيَقُولُونَ﴾ بعد نفيهم الخير في القرآن : ﴿هذا﴾ القرآن ﴿إِفْكٌ﴾ وكذب ﴿قَدِيمٌ﴾ دائر في ألسنة السابقين.
﴿وَمِنْ قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى إِماماً وَرَحْمَةً وَهذا كِتابٌ مُصَدِّقٌ لِساناً عَرَبِيًّا لِيُنْذِرَ
الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرى لِلْمُحْسِنِينَ * إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا فَلا
خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها جَزاءً
بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٢) و (١٤)﴾
ثمّ ردّ سبحانه تكذيبهم القرآن بقوله : ﴿وَمِنْ قَبْلِهِ﴾ نزل ﴿كِتابُ مُوسى﴾ وهو التوراة حال كونه ﴿إِماماً﴾ يؤتمّ به ، ومقتدى يقتدى به في دين الله ﴿وَرَحْمَةً﴾ ونعمة عظيمة من الله. لمن آمن به وعمل بأحكامه ، وقد سلّم جميع أهل الكتاب حقّانيته وصدقه ﴿وَهذا﴾ القرآن الذي يكذّبونه ﴿كِتابُ﴾ عظيم الشأن ﴿مُصَدِّقٌ﴾ لذلك الكتاب الذي جاء به موسى ، ومطابق له ، ولما بين يديه من الكتب السماوية في العلوم والمعارف ، وبيان أحوال المعاد والمواعظ والعبر ، والتزهيد عن الدنيا ، والترغيب إلى الآخرة.
ولمّا كان قوم النبي صلىاللهعليهوآله عربا جعل لسانه ﴿لِساناً عَرَبِيًّا﴾ لتفهم العرب ما فيه و﴿لِيُنْذِرَ﴾ ويخوّف ذلك الكتاب بالوعد بالعذاب ﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ على أنفسهم بالكفر والعصيان ﴿وَ﴾ ليكون ﴿بُشْرى﴾ بالثواب العظيم في الآخرة ﴿لِلْمُحْسِنِينَ﴾ في العقائد والأعمال المطيعين لله مخلصين.
وحاصل المراد - والله أعلم - أنّ الغرض من إنزال الكتاب إنذار العاصين ، وبشارة المطيعين ، فلا
__________________
(١) تفسير الرازي ٢٨ : ١١.
(٢) الكشاف ٤ : ٣٠٠ ، تفسير الرازي ٢٨ : ١١.
(٣و٤) الكشاف ٤ : ٣٠٠ ، تفسير الرازي ٢٨ : ١١.
(٥) الكشاف ٤ : ٣٠٠ ، تفسير الرازي ٢٨ : ١١.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٥ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4438_nafahat-alrahman05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
