الدنيا والأموال والأولاد والرئاسة وكونهم في خوف من العدوّ والضرر والمرض والذلّ ، وفي حزن ممّا يفوتهم ممّا يأملون ، وموتهم أسوأ الموت ، لصعوبة انقطاعهم من الدنيا ، وشدّة ابتلائهم بالعذاب. والطائفة الثانية حياتهم حياة طيبة ، لأنسهم بالله ، وقناعتهم بما رزقهم الله ، وتوكلّهم على الله ، وفراغ قلبهم من همّ الدنيا ، وأمنهم من الأعداء ، وسرورهم بما أعدّ الله لهم من الكرامة والثواب.
روي عن النبي صلىاللهعليهوآله أنّه قال لمّا رأى أصحاب الصّفّة (١) في المسجد : « المحيي محياكم والممات مماتكم » (٢) .
عن ابن عباس : يعني أحسبوا أنّ حياتهم ومماتهم كحياة المؤمنين ومماتهم ؟ كلا فإنهم يعيشون كافرين ويموتون كافرين ، والمؤمنون يعيشون مؤمنين ويموتون مؤمنين ، وذلك لأنّ المؤمن ما دام في الدنيا يكون وليه الله ، وأنصاره المؤمنون ، وحجّة الله معه ، والكافر بالضدّ (٣) .
وقيل : إنّ المعنى أحسبوا أن يستووا في الممات ، كما استووا في الحياة ؟ فانّ المؤمنين يستوون [ مع ] الكفّار في الرزق والصحة والكفاية ، بل قد يكون الكافر أحسن حالا من المؤمن ، وإنّما الفرق بينهما في الممات (٤) .
وقيل : إنّ الجملة مستأنفة ، والمعنى الكافر محياه ومماته سواء ، والمؤمن كذلك فكل يموت على ما عاش عليه (٥) .
ثمّ لمّا كان المشركون يقولون : نحن أحسن حالا من المؤمنين في الآخرة ، ردّهم الله بقوله : ﴿ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾ وبئس شيئا يقولون عن جزم من أنهم أحسن حالا من المؤمنين.
قال الفخر الرازي : قال الكلبي : نزلت هذه الآية في عليّ وحمزة وأبي عبيدة بن الجرّاح ، وفي ثلاثة من المشركين : عتبة وشيبة والوليد بن عتبة ، قالوا للمؤمنين : والله ما أنتم على شيء ، ولو كان ما تقولون حقا لكان حالنا أفضل من حالكم في الآخرة ، كما أنّا أفضل حالا منكم في الدنيا ، فأنكر الله عليهم هذا الكلام (٦) .
﴿وَخَلَقَ اللهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ وَهُمْ لا
يُظْلَمُونَ * أَ فَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ وَأَضَلَّهُ اللهُ عَلى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ
وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللهِ أَ فَلا تَذَكَّرُونَ (٢٢) و (٢٣)﴾
__________________
(١) الصّفّة : مكان مظلّل في مسجد المدينة ، كان يأوي إليه فقراء المهاجرين ، ويرعاهم الرسول صلىاللهعليهوآله ، وهم أصحاب الصّفّة.
(٢) تفسير روح البيان ٨ : ٤٤٦.
(٣-٥) تفسير الرازي ٢٧ : ٢٦٧.
(٦) تفسير الرازي ٢٧ : ٢٦٦.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٥ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4438_nafahat-alrahman05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
