الشديد الحرارة. قيل : إنّه يقطّع الأمعاء (١) .
ثمّ يقول الله للملائكة الغلاظ الشداد غضبا على الكافر الأثيم : ﴿خُذُوهُ﴾ بالنواصي والأقدام ﴿فَاعْتِلُوهُ﴾ وجرّوه بالعنف والقهر ﴿إِلى سَواءِ الْجَحِيمِ﴾ ووسط جهنّم ﴿ثُمَّ صُبُّوا﴾ وأهريقوا ﴿فَوْقَ رَأْسِهِ﴾ ومن أعلى جسده ﴿مِنْ عَذابِ﴾ ذلك ﴿الْحَمِيمِ﴾ وفي نسبة الصبّ إلى العذاب دون الحميم مع أنّه المصبوب غاية المبالغة ، فيعذّب ظاهره بالحميم ، وباطنه بالزّقّوم.
روي أنّه إذا دخل الكافر النار يطعم الزقّوم ، ثمّ إنّ خازن النار يضرب على رأسه بمقمعة يسيل منها دماغه على جسده ، ثمّ يصبّ الحميم فوق رأسه ، فينفذ إلى جوفه ، فيقطع الأمعاء والأحشاء (٢) ،
ويقال له استهزاء وتقريعا : ﴿ذُقْ﴾ هذا العذاب المهين المذلّ ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ على زعمك وزعم قومك ، مع أنّك بخلاف ما زعمت ﴿إِنَّ هذا﴾ العذاب الذي تذوقه هو ﴿ما كُنْتُمْ﴾ في الدنيا ﴿بِهِ تَمْتَرُونَ﴾ وفيه تشكّون ، أو فيه تمارون وتجادلون.
روي أنّ أبا جهل قال : ما بين جبلي مكة أعزّ وأكرم منّي ، فو الله ما تستطيع أنت ولا ربّك أن تفعل بي شيئا ، فنزلت الآية (٣) .
﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقامٍ أَمِينٍ * فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * يَلْبَسُونَ مِنْ سُندُسٍ
وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَقابِلِينَ * كَذلِكَ وَزَوَّجْناهُمْ بِحُورٍ عِينٍ * يَدْعُونَ فِيها بِكُلِّ فاكِهَةٍ
آمِنِينَ (٥١) و (٥٥)﴾
ثمّ إنّه تعالى بعد وعيد الكفّار ، وعد المؤمنين المتقين بقوله : ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ﴾ والمحترزين عن الشّرك والعصيان ، متمكّنون في الآخرة ﴿فِي مَقامٍ﴾ ومنزل ﴿أَمِينٍ﴾ ومأمون من الآفات والمكاره والزوال ، وأعني ﴿فِي جَنَّاتٍ﴾ وبساتين كثيرة الأشجار ﴿وَعُيُونٍ﴾ وأنهار لا يمكن توصيفها من حيث النزاهة والصفا ، ﴿يَلْبَسُونَ﴾ فيها ألبسة ﴿مِنْ سُندُسٍ﴾ وحرير رقيق ﴿وَإِسْتَبْرَقٍ﴾ وحرير غليظ ، وهما من أرفع أنواع اللباس ، حال كونهم في المجالس ﴿مُتَقابِلِينَ﴾ ومواجهين ، ليأنس بعضهم ببعض. وقيل : إنّ المراد متقابلين بالمحبة ، غير متدابرين بالبغض والحسد (٤) .
ثمّ عظّم سبحانه ذلك الثواب بقوله : ﴿كَذلِكَ﴾ قيل : يعني الأمر كذلك (٥) الذي ذكرنا ، أو مثل ذلك
__________________
(١) تفسير روح البيان ٨ : ٤٢٧.
(٢) تفسير روح البيان ٨ : ٤٢٨.
(٣) تفسير الرازي ٢٧ : ٢٥٢ ، تفسير روح البيان ٨ : ٤٢٨.
(٤) تفسير روح البيان ٨ : ٤٣٠.
(٥) تفسير روح البيان ٨ : ٤٣٠.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٥ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4438_nafahat-alrahman05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
