كفلق البحر ، وتظليل الغمام ، وإنزال المنّ والسّلوى ، التي لم يعهد مثلها في غيرهم ﴿ما فِيهِ بَلؤُا مُبِينٌ﴾ ونعمة عظيمة ظاهرة ، أو ما فيه امتحان واختبار لهم ، أنّهم كيف يعملون ، هل يشكرون أو يكفرون ؟
﴿إِنَّ هؤُلاءِ لَيَقُولُونَ * إِنْ هِيَ إِلاَّ مَوْتَتُنَا الْأُولى وَما نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ * فَأْتُوا
بِآبائِنا إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ * أَ هُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أَهْلَكْناهُمْ
إِنَّهُمْ كانُوا مُجْرِمِينَ (٣٤) و (٣٧)﴾
ثمّ لمّا كان الكلام في ذمّ أهل مكّة وإصرارهم على الكفر ، وإنّما ذكر قصة موسى تسلية للنبي وتهديدا لهم ، عاد سبحانه إلى ذمّ أهل مكّة بقوله : ﴿إِنَّ هؤُلاءِ﴾ المشركين المنكرين للبعث ﴿لَيَقُولُونَ﴾ في جواب المؤمنين القائلين بأنّ عاقبة حياتهم الموت ثمّ البعث للحساب : ﴿إِنْ﴾ العاقبة ، وما ﴿هِيَ﴾ عندنا ﴿إِلَّا مَوْتَتُنَا الْأُولى﴾ المزيلة للحياة الدنيوية ﴿وَما نَحْنُ﴾ بعدها ﴿بِمُنْشَرِينَ﴾ ومبعوثين.
وقيل : إنّ المعنى وما الحياة إلّا حياة موتتنا الاولى (١) .
وقيل : يعني ما الحالة إلّا حالة موتتنا الاولى ، وإن كان البعث والنشور ممكنا. ﴿فَأْتُوا﴾ ايّها المدّعون للبعث بعد الموت ﴿بِآبائِنا﴾ وأحيوهم ﴿إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ فيما تعدوننا من البعث.
قيل : كانوا يطلبون من الرسول والمؤمنين أن يدعوا الله فينشر لهم قصيّ بن كلاب ، ليشاوروه ويسألوا منه أحوال الموت وصدق محمد صلىاللهعليهوآله في دعوى النبوة والبعث في الآخرة (٢) ، وهم طلبوه في الدنيا جهلا وعنادا ، فبادر سبحانه في جوابهم أولا بتهديدهم بقوله : ﴿أَ هُمْ خَيْرٌ﴾ وأفضل في القوة والشوكة التي بها يدفع الضرّ والشرّ ﴿أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ﴾ ملك اليمن الذين كانوا قريب الدار منهم ﴿وَ﴾ الامم ﴿الَّذِينَ﴾ كانوا ﴿مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ كقوم عاد وثمود وأضرابهم من الجبابرة الذين كانوا أولي قوة وبأس ، لا شكّ أنّ قوم تبّع وأضرابهم كانوا أشدّ من كفّار مكة قوة وشوكة ، ومع ذلك ﴿أَهْلَكْناهُمْ﴾ بعذاب الاستئصال بحيث لم يبق منهم أحد.
كأنّه قيل : ما سبب إهلاكهم ؟ فقال سبحانه : ﴿إِنَّهُمْ كانُوا﴾ في عصرهم ﴿مُجْرِمِينَ﴾ ومصرّين على الكفر والطّغيان ، فاذا أهلك هؤلاء الأقوام الكثيرة القوية بسبب إجرامهم ، كان إهلاك أهل مكّة مع ضعفهم أولى.
__________________
(١) تفسير روح البيان ٨ : ٤١٧.
(٢) تفسير الرازي ٢٧ : ٢٤٩ ، تفسير روح البيان ٨ : ٤١٧.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٥ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4438_nafahat-alrahman05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
