وقيل : إنّ الكلام على حقيقته (١) من غير حذف وإضمار ، لرواية أنس ، عن النبي صلىاللهعليهوآله ، أنّه قال : « ما من عبد إلّا وله في السماء بابان : باب يخرج منه رزقه ، وباب يدخل فيه عمله ، فاذا مات فقداه ، وبكيا عليه » وتلا هذه الآية ، قال : « وذلك لأنّهم لم يكونوا يعملون على الأرض عملا صالحا ، فتبكي عليهم ، ولم يصعد لهم إلى السماء كلام طيب ولا عمل صالح ، فتبكي عليهم » (٢).
وعن أمير المؤمنين عليهالسلام أنّه مرّ عليه رجل عدوّ لله ولرسوله ، فقال ﴿فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَالْأَرْضُ﴾ وقال : « وما بكت السماء والأرض إلّا على يحيى بن زكريا ، وعلى الحسين »(٣) .
وعن الصادق عليهالسلام ، قال : « بكت السماء على يحيى بن زكريا وعلى الحسين ابن علي عليهالسلام أربعين صباحا ، ولم تبك إلّا عليهما » قيل : فما بكاؤهما ؟ قال : « تطلع حمراء ، وتغيب حمراء » (٤).
وروى بعض العامة عن زيد بن أبي زياد : لمّا قتل الحسين بن علي عليهالسلام أحمرّ له آفاق السماء أشهرا ، واحمرارها بكاؤها (٥) .
وعن ابن سيرين ، قال : أخبرونا أنّ الحمرة التي مع الشّفق لم تكن حتّى قتل الحسين (٦).
ثمّ بيّن سبحانه عدم إمهاله القبط بقوله : ﴿وَما كانُوا﴾ لمّا جاء وقت هلاكهم ﴿مُنْظَرِينَ﴾ وممهلين ساعة ، بل عجّل إهلاكهم ، فاجتمع لهم عذاب الدنيا والآخرة.
﴿وَلَقَدْ نَجَّيْنا بَنِي إِسْرائِيلَ مِنَ الْعَذابِ الْمُهِينِ * مِنْ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كانَ عالِياً مِنَ
الْمُسْرِفِينَ * وَلَقَدِ اخْتَرْناهُمْ عَلى عِلْمٍ عَلَى الْعالَمِينَ * وَآتَيْناهُمْ مِنَ الْآياتِ
ما فِيهِ بَلؤُا مُبِينٌ (٣٠) و (٣٣)﴾
ثمّ إنّه تعالى بعد ذكر غضبه على القبط ، ذكر لطفه ببني إسرائيل بقوله تبارك وتعالى : ﴿وَلَقَدْ نَجَّيْنا بَنِي إِسْرائِيلَ﴾ بإغراق أعدائهم من القبط ﴿مِنَ الْعَذابِ الْمُهِينِ﴾ والمذلّ الذي كانوا معذبين به ، أعني ﴿مِنْ﴾ عذاب ﴿فِرْعَوْنَ﴾ أو من العذاب المهين الذي كان يصيبهم من فرعون ﴿إِنَّهُ كانَ عالِياً﴾ ومتكبّرا ، وكان ﴿مِنَ الْمُسْرِفِينَ﴾ على أنفسهم بالظلم ، المتجاوزين عن الحدّ في الكفر والطّغيان ﴿وَ﴾ والله ﴿لَقَدِ اخْتَرْناهُمْ﴾ واصطفيناهم حال كوننا ﴿عَلى عِلْمٍ﴾ باستحقاقهم للاختيار والتفضّل ، أو على علم بجناياتهم وفرطاتهم ﴿عَلَى الْعالَمِينَ﴾ والجماعات الكثيرة في أعصارهم ، بأن آتيناهم الكتاب والنبوة والملك ﴿وَآتَيْناهُمْ مِنَ الْآياتِ﴾ ودلائل التوحيد والقدرة والحكمة ،
__________________
(١) تفسير روح البيان ٨ : ٤١٣.
(٢) تفسير الرازي ٢٧ : ٢٤٦.
(٣) تفسير القمي ٢ : ٢٩١ ، تفسير الصافي ٤ : ٤٠٧.
(٤) مجمع البيان ٩ : ٩٨ ، تفسير الصافي ٤ : ٤٠٧.
(٥) تفسير روح البيان ٨ : ٤١٣.
(٦) تفسير روح البيان ٨ : ٤١٣.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٥ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4438_nafahat-alrahman05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
