كناية عن شدّة كراهته (١) لما اخبر به من تولّد البنت له ﴿وَهُوَ﴾ بسبب إخباره لولادة البنت ﴿كَظِيمٌ﴾ ومملوء من الكرب والحزن والغضب ، فاذا نقص البنت بهذه الدرجة ، كيف يختارها الله لنفسه ، وكيف ينسبونها إليه ، وهل يجوز للعاقل إثباتها له ؟
ثمّ بالغ سبحانه في الإنكار والتوبيخ عليهم بنسبة البنات إليه بقوله : ﴿أَ وَمَنْ يُنَشَّؤُا﴾ ويربّى ﴿فِي الْحِلْيَةِ﴾ والزّينة. قيل : إنّ التقدير اجترءوا وجعلوا له تعالى (٢) من شأنه أن يربّى في الزّينة لنقص نفسه و﴿هُوَ﴾ مع ذلك ﴿فِي الْخِصامِ﴾ ومواقع الجدال مع غيره ﴿غَيْرُ مُبِينٍ﴾ وغير قادر على تقرير دعواه ، وتبيين حجّته ، لضعف لسانه ، وقلّة عقله ، وبلادة ذهنه. قيل : قلّما أرادت المرأة أن تتكلّم بحجّتها إلّا تكلّمت بما كان حجّة عليها (٣) .
﴿وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثاً أَ شَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ
شَهادَتُهُمْ وَيُسْئَلُونَ * وَقالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمنُ ما عَبَدْناهُمْ ما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ
عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ (١٩) و (٢٠)﴾
ثمّ ذمّهم سبحانه بنسبة الانوثة إلى الملائكة الذين هم أشرف المخلوقات بعد الأنبياء والرسل والأولياء بقوله تعالى : ﴿وَجَعَلُوا﴾ وحكموا بأنّ ﴿الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ﴾ وأكمل الخلق وأكرمهم على الله ﴿إِناثاً﴾ والحال أنّه لا يمكن الاطلاع على انوثتهم بإدراك العقول ، بل لا بدّ من أن يكون اطّلاعهم على ذلك بإخبار نبيّ ، وهم لا يقولون به ، أو برؤية خلقة الملائكة ، إذا فاسألوهم أيّها العقلاء ﴿أَ شَهِدُوا﴾ وحضروا ﴿خَلْقَهُمْ﴾ ورأوا انوثتهم حتى يحكموا بها ؟ لا والله ما شهدوا وما رأوا ، بل كان حكمهم بتقليد آبائهم الكاذبين ، ونحن ﴿سَتُكْتَبُ﴾ البتة في ديوان أعمالهم ﴿شَهادَتُهُمْ﴾ هذه ﴿وَيُسْئَلُونَ﴾ يوم القيامة عنها ، ويعذّبون بها ، فعلم من تفسيرنا أنّ السين للتأكيد. وقيل : إنّها للاستقبال والاستعطاف إلى التوبة قبل الكتابة (٤) .
ثمّ حكى سبحانه استدلالهم على صحّة عبادتهم الملائكة الموجب لازدياد كفرهم بقوله تبارك وتعالى : ﴿وَقالُوا﴾ استدلالا على صحّة عبادتهم الملائكة ، وكونها مرضية عند الله ﴿لَوْ شاءَ الرَّحْمنُ﴾ أن لا نعبد الملائكة ﴿ما عَبَدْناهُمْ﴾ فلمّا عبدناهم علمنا أنّه شاء منّا عبادتهم. ثمّ ردّهم سبحانه بأنّه ﴿ما لَهُمْ بِذلِكَ﴾ التلازم بين فعلهم وإرادة الله التشريعية ﴿مِنْ عِلْمٍ﴾ مستند إلى الدليل
__________________
(١) تفسير روح البيان ٨ : ٣٥٨.
(٢) تفسير روح البيان ٨ : ٣٥٨.
(٣) مجمع البيان ٩ : ٦٦ ، تفسير الرازي ٢٧ : ٢٠٢.
(٤) تفسير روح البيان ٨ : ٣٦٠.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٥ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4438_nafahat-alrahman05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
