الآية ، فانّه ليس من عبد يقولها عند ركوبه ، فيقع من بعير أو دابّة ، فيصيبه شيء بإذن الله » (١) .
﴿وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبادِهِ جُزْءاً إِنَّ الْإِنْسانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ * أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ
بَناتٍ وَأَصْفاكُمْ بِالْبَنِينَ (١٥) و (١٦)﴾
ثمّ إنّه تعالى بعد إثبات أنّه خالق الممكنات والموجودات ، واعتراف المشركين بذلك ، وبّخهم على القول بأنّ الملائكة أولاده بقوله : ﴿وَجَعَلُوا﴾ وأثبتوا ﴿لَهُ﴾ تعالى ﴿مِنْ عِبادِهِ﴾ وهم الملائكة ﴿جُزْءاً﴾ وولدا مع أنّ الولد الذي جزء من والده منفصل عنه ، لا يمكن أن يكون عبده وملكه ، وهذا القول ليس منهم ببعيد وعجيب ﴿إِنَّ الْإِنْسانَ﴾ بالطبع ﴿لَكَفُورٌ﴾ مبالغ في الكفر و﴿مُبِينٌ﴾ ومظهر لكفره ، ولذا يقول ما يقول.
ثمّ ذمّهم بأنّهم لم يقنعوا بهذا القول الشنيع ، بل أثبتوا له أخسّ الأولاد ، وهو البنات ، وأنكر ذلك عليهم بقوله : ﴿أَمِ اتَّخَذَ﴾ الله واختار لنفسه ﴿مِمَّا يَخْلُقُ﴾ بقدرته يا قريش ﴿بَناتٍ﴾ موهونة عندكم ، مكروهة في طباعكم ﴿وَأَصْفاكُمْ﴾ وآثركم على نفسه بتفضيلكم ﴿بِالْبَنِينَ﴾ الذين هم خير الأولاد وأكملهم وأشرفهم ، وهذا ممّا لا يقول به ذو مسكة ، وإنّما نبّه على حقارة البنات بتنكير اللفظ ، وعلى فخامة البنين بتعريفه ، وإنّما قدّم ذكر نسبة البنات إلى الله ، لكونها أنكر من اصطفائهم البنين ، وفي تلوين الخطاب تأكيد الإلزام وتشديد التوبيخ.
وحاصل المراد والله العالم : حيث إنّكم قلتم : إنّ لله ولدا ، مع وضوح امتناعه واستحالته ، كيف أمكن منكم القول بأنّه اختار لنفسه أخسّ الأولاد ، وآثركم على نفسه بخيرهم وأشرفهم وأفضلهم ، فانّه خلاف بديهة العقل.
﴿وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِما ضَرَبَ لِلرَّحْمنِ مَثَلاً ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ *
أَ وَمَنْ يُنَشَّؤُا فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصامِ غَيْرُ مُبِينٍ (١٧) و (١٨)﴾
ثمّ بيّن شدّة كراهتهم للبنات بقوله : ﴿وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ﴾ وأخبر ﴿بِما ضَرَبَ﴾ وجعل ﴿لِلرَّحْمنِ﴾ والإله الفيّاض على الممكنات ﴿مَثَلاً﴾ وشبيها ، فانّ الولد يجانس ويماثل والده ﴿ظَلَ﴾ وصار ﴿وَجْهُهُ﴾ من سوء ما بشّر به وشدّة الغيظ عليه ﴿مُسْوَدًّا﴾ وأسود في الغاية. وقيل : إنّ اسوداد الوجه
__________________
(١) الكافي ٣ : ٤٧٢ / ٥ ، عن الرضا عليهالسلام ، تفسير الصافي ٤ : ٣٨٥.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٥ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4438_nafahat-alrahman05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
