بايجاد الصوت والكلام من غير رؤية المتكلّم كتكلّم من يتكلّم ﴿مِنْ وَراءِ حِجابٍ﴾ وستر ﴿أَوْ﴾ يكلمه بتوسّط الملك بأن ﴿يُرْسِلَ﴾ من قبله ﴿رَسُولاً﴾ من الملائكة كجبرئيل عليهالسلام ﴿فَيُوحِيَ﴾ ذلك الملك إلى البشر الذي أرسله الله إليه ﴿بِإِذْنِهِ﴾ وأمره ﴿ما يَشاءُ﴾ أن يوحيه إليه من المطالب والحقائق.
عن النبي صلىاللهعليهوآله أنّه قال : « من الأنبياء من يسمع الصوت فيكون بذلك نبيا ، ومنهم من ينفث في اذنه وقلبه فيكون بذلك نبيا ، وإنّ جبرئيل يأتيني فيكلّمني كما يكلّم أحد صاحبه » (١) .
وعن عائشة : أنّ الحارث بن هشام سأل رسول الله : كيف يأتيك الوحي ؟ فقال : « أحيانا يأتيني مثل صلصلة الجرس ، وهو أشدّه عليّ ، فيفصم (٢) عنّي وقد وعيت عنه ما قال ، وأحيانا يتمثّل الملك رجلا فيكلّمني فأعي ما يقول » قالت : ولقد رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد فيفصم (٣) عنه وإنّ جبينه ليتفصّد عرقا (٤) .
﴿إِنَّهُ﴾ تعالى ﴿عَلِيٌ﴾ عن مواجهة الناس ومشابهة المخلوقين ، متعال عن صفاتهم ، فلا يكون المفاوضة بينه وبينهم إلّا بالوجوه المذكورة ﴿حَكِيمٌ﴾ وعليم بجميع المصالح وقابليات الأشخاص ، فيكلّم بعض الأنبياء بلا واسطة ، وبعضهم بالواسطة ، وبعضهم إلهاما على حسب اختلاف درجاتهم وكمالهم.
﴿وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلا الْإِيمانُ
وَلكِنْ جَعَلْناهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ
مُسْتَقِيمٍ * صِراطِ اللهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ أَلا إِلَى اللهِ
تَصِيرُ الْأُمُورُ (٥٢) و (٥٣)﴾
ثمّ لمّا بيّن سبحانه كيفية الإيحاء إلى الأنبياء ، عظّم شأن ما أوحى إلى رسوله بقوله : ﴿وَكَذلِكَ﴾ الإيحاء البديع الذي كان لسائر الأنبياء ومثله ﴿أَوْحَيْنا إِلَيْكَ﴾ يا محمد ، القرآن الذي يكون ﴿رُوحاً﴾ وسببا للحياة الطيبة الأبدية للقلوب الميتة بالجهل والضلال والكفر. قيل : إنّ المراد بالروح جبرئيل ، وإيحاءه إليه إرساله إليه بالوحي (٥) .
__________________
(١) تفسير روح البيان ٨ : ٣٤٥.
(٢) أفصم الشيء : ذهب وانكشف.
(٣) في النسخة : فيفصد.
(٤) تفسير روح البيان ٨ : ٣٤٥ ، وفيه : جبينيه لينفصد عرقا.
(٥) تفسير أبي السعود ٨ : ٣٨ ، تفسير روح البيان ٨ : ٣٤٧.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٥ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4438_nafahat-alrahman05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
