فَإِنَّ الْإِنْسانَ كَفُورٌ (٤٨)﴾
ثمّ نبّه سبحانه على أنّ سبب إعراضهم ليس إلّا الغرور بالدنيا ، والانهماك في شهواتها ، وكفرانهم نعم الله بقوله : ﴿إِنَّا إِذا أَذَقْنَا الْإِنْسانَ مِنَّا﴾ وبلطفنا ﴿رَحْمَةً﴾ ونعمة من الصحة والغنى والأمن والأولاد والرئاسة والجاه ﴿فَرِحَ﴾ واغترّ ﴿بِها﴾ وبطر لأجلها ، ويظنّ أنّه بهذا القدر من نعم الدنيا فاز بكلّ المنى ، ووصل إلى أعلى السعادات ، لعدم تصوّره السعادة الاخروية التي جميع الدنيا وما فيها بالنسبة إلى أقلّ قليل منها كالقطرة بالنسبة إلى البحر المحيط ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ﴾ ووردت عليهم ﴿سَيِّئَةٌ﴾ وبلية كالفقر والمرض والخوف ونحوهما ﴿بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ وبسبب ما أرتكبته جوارحهم من المعاصي والقبائح ﴿فَإِنَّ الْإِنْسانَ﴾ لاستعظامه تلك البلية ينسى النعم الإلهية ، لأنّه بالطبع ﴿كَفُورٌ﴾ مبالغ في الإعراض عن الشكر ، إلّا من وفّقه الله لأدائه ، وعصمه من الكفران.
قيل : في تصدير الشرطية الاولى بإذا ، وإسناد الإذاقة إلى نون العظمة ، تنبيه على أنّ إيصال النعمة محقّق كثير الوقوع ، وأنّه مقتضى ذاته المقدسة ، وفي تصدير الثانية بأن الشرطية ، وإسناد الإصابة إلى السيئة ، وتعليلها بأعمالهم السيئة إيذان بندرة وقوعها ، وأنّها بالعارض في وضع الظاهر موضع الضمير دلالة على أنّ الكفران مقتضى طبع الانسان (١).
﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ ما يَشاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ إِناثاً وَيَهَبُ لِمَنْ
يَشاءُ الذُّكُورَ * أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْراناً وَإِناثاً وَيَجْعَلُ مَنْ يَشاءُ عَقِيماً إِنَّهُ عَلِيمٌ
قَدِيرٌ (٤٩) و (٥٠)﴾
ثمّ لمّا ذكر سبحانه أنّ نعم الدنيا على الانسان برحمته ، وابتلائه بالبليات بمعاصيه وسيئاته ، بيّن قدرته الكاملة على التصرّف في جميع الموجودات السماوية والأرضية ، وسلطنته المطلقة بقوله تعالى : ﴿لِلَّهِ﴾ وحده ﴿مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ والسلطنة التامّة في عوالم الملك والملكوت ، ليس لغيره فيها ملك وملك يغترّ به ، بل كلّما كان لغيره من النّعم فهو بعطائه ، وعليه الشّكر ، وكلّما أصابه من البلية فهو بارادته تعالى ، وعليه الصبر والتسليم والرضا ، ومن دلائل سلطنته أنّه تعالى ﴿يَخْلُقُ ما يَشاءُ﴾ خلقه ، ولا يقدر غيره على خلق شيء ، ومن أظهر تصرّفاته أنّه بقدرته وحكمته ﴿يَهَبُ﴾ ويعطي بلا عوض ﴿لِمَنْ يَشاءُ﴾ من نوع الانسان أولادا ﴿إِناثاً﴾ فقط ﴿وَيَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ﴾ منهم ﴿الذُّكُورَ﴾ من الأولاد فقط.
__________________
(١) تفسير البيضاوي ٢ : ٣٦٦ ، تفسير أبي السعود ٨ : ٣٦ ، تفسير روح البيان ٨ : ٣٤١.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٥ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4438_nafahat-alrahman05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
