على أذى المؤمنين وإساءتهم إليه ﴿وَغَفَرَ﴾ لمن ظلمه وآذاه ولم ينتصر ، وفوّض أمره إلى الله ﴿إِنَّ ذلِكَ﴾ الصبر ﴿لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ وواجبات الأعمال ، لكونه من كمال النفس ، وصفات الربّ ، وكرائم الأخلاق ، وفي تأكيد الخبر باللام دلالة على غاية محبوبيته عند الله.
﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَما لَهُ مِنْ وَلِيٍّ مِنْ بَعْدِهِ وَتَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذابَ
يَقُولُونَ هَلْ إِلى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ * وَتَراهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْها خاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ
يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ وَقالَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ الْخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا
أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَلا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذابٍ مُقِيمٍ * وَما كانَ لَهُمْ
مِنْ أَوْلِياءَ يَنْصُرُونَهُمْ مِنْ دُونِ اللهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَما لَهُ مِنْ سَبِيلٍ (٤٤) و (٤٦)﴾
ثمّ بالغ سبحانه في تهديد الظالمين بقوله : ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ﴾ عن طريق الجنّة بخذلانه حتى يرتكب الظلم على المؤمنين ﴿فَما لَهُ مِنْ وَلِيٍ﴾ ومراعي صلاح يوفّقه للخير وسلوك طريق الصواب والجنّة ﴿مِنْ بَعْدِهِ﴾ تعالى وبعد خذلانه ﴿وَتَرَى﴾ يا محمد ، أو يأمن له البصر ﴿الظَّالِمِينَ﴾ على أنفسهم ، وعلى المؤمنين ﴿لَمَّا رَأَوُا الْعَذابَ﴾ يوم القيامة ﴿يَقُولُونَ﴾ تحسّرا وتمنّيا : يا ربّ ﴿هَلْ إِلى مَرَدٍّ﴾ ورجوع إلى الدنيا ﴿مِنْ سَبِيلٍ﴾ حتى نتدارك ما فاتنا من الأعمال الصالحة ، ونتوب ممّا ارتكبنا من الظلم والأعمال السيئة ﴿وَتَراهُمْ﴾ أيّها الرائي أنّهم يساقون إلى النّار و﴿يُعْرَضُونَ عَلَيْها﴾ حال كونهم ﴿خاشِعِينَ﴾ وحقيرين ، أو مرخين أجفانهم بسبب مالهم ﴿مِنَ الذُّلِ﴾ والهوان ، وهم ﴿يَنْظُرُونَ﴾ إلى النّار ﴿مِنْ طَرْفٍ﴾ وتحريك ضعيف لأجفانهم ﴿خَفِيٍ﴾ على غيرهم نظرهم إليها ، يعبّر عن هذا النظر باستراق النظر ، لأنّهم لا يقدرون على أن يملأوا عيونهم منها من شدّة الخوف وغاية الذلّ.
وقيل : إنّ المراد أنّهم ينظرون النار بابصار قلوبهم لا بأعينهم ؛ لأنّهم يحشرون عميا ، أو يسحبون على وجوههم (١) . وقيل : لا يرفعون أجفانهم من خجلة المؤمنين (٢) .
﴿وَقالَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ حين رأوهم على تلك الحالة توبيخا لهم : ﴿إِنَّ الْخاسِرِينَ﴾ أشدّ الخسران هم الكفّار والعصاة ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا﴾ وأضرّوا ﴿أَنْفُسَهُمْ﴾ بتعريضها للعذاب بسبب اختيارهم الشرك ، وارتكابهم العصيان ﴿وَ﴾ أضرّوا ﴿أَهْلِيهِمْ﴾ من أزواجهم وأولادهم وأقاربهم ، بمنعهم عن الايمان ، وترغيبهم إلى الكفر والطّغيان ، ولم يقوهم من النار ﴿يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾.
__________________
(١و٢) تفسير روح البيان ٨ : ٣٣٨.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٥ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4438_nafahat-alrahman05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
