بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ (٣٠) و (٣١)﴾
ثمّ لمّا بيّن رأفته ورحمته على الناس ، بيّن علّة ابتلائهم بالمصائب بقوله : ﴿وَما أَصابَكُمْ﴾ أيّها الناس ، وإن نزلت بكم ﴿مِنْ مُصِيبَةٍ﴾ وبلية ، كالفقر والمرض وغيرهما ﴿فَبِما كَسَبَتْ﴾ وعملت ﴿أَيْدِيكُمْ﴾ وجوارحكم من المعاصي والذنوب ، وإنّما نسب الكسب إلى اليد ، لكون غالب الأعمال بها.
روي عن النبيّ صلىاللهعليهوآله أنّه قال : « لا يصيب بن آدم خدش عود إلّا بذنب» (١) .
﴿وَيَعْفُوا﴾ الله ﴿عَنْ كَثِيرٍ﴾ من الذنوب. عن الصادق عليهالسلام : « ليس من التواء عرق ولا نكبة حجر (٢) ولا عثرة قدم ولا خدش عود إلّا بذنب ، وأمّا ما يعفو الله أكثر ممّا عجلّ الله عقوبته في الدنيا ، فانّ الله أجل وأكرم وأعظم من أن يعود في عقوبته في الآخرة» (٣) .
وعنه عليهالسلام أنّه سئل : أرايت ما أصاب عليا وأهل بيته من بعده ، أهو بما كسبت أيديهم وهم أهل بيت طهارة معصومون ؟ فقال : « إنّ رسول الله صلىاللهعليهوآله كان يتوب إلى الله ويستغفره في كلّ يوم مائة مرة من غير دنب ، وإنّ الله تعالى يخصّ أولياءه بالمصائب ليأجرهم من غير ذنب » (٤) .
وعن ( المجمع ) عن علي عليهالسلام : « قال رسول الله صلىاللهعليهوآله : خير آية في كتاب الله هذه الآية. يا علي ، ما من خدش عود ولا نكبة قدم إلّا بذنب ، وما عفاه الله عنه في الدنيا أكثر ، فهو أكرم من أن يعود فيه ، وما عاقب عليه في الدنيا فهو أعدل من أن يثنّي على عبده » (٥) .
ثمّ اعلم أنّ الخطاب للمكلّفين ، فلا يشمل البهائم والأطفال والمجانين ، نعم قد تكون مصائبهم [ في ] مالكي البهائم ووالدي الأطفال والمجانين وأقاربهم ، فتكون كفّارة لذنوبهم ﴿وَما أَنْتُمْ﴾ أيّها العصاة ﴿بِمُعْجِزِينَ﴾ الله ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ وفائتين منه بالهرب ، إن أراد ابتلاءكم وعقوبتكم بذنوبكم ﴿وَما لَكُمْ﴾ في العالم ﴿مِنْ دُونِ اللهِ﴾ وممّا سواه ﴿مِنْ وَلِيٍ﴾ يدفع عنكم العقوبة بالموالاة ﴿وَلا نَصِيرٍ﴾ ومعين يدفعها عنكم بالقوة.
﴿وَمِنْ آياتِهِ الْجَوارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ * إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَواكِدَ
عَلى ظَهْرِهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ * أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِما كَسَبُوا
وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ * وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِنا ما لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ (٣٢) و (٣٥)﴾
__________________
(١) تفسير الرازي ٢٧ : ١٧٢.
(٢) نكبت الحجارة رجله : لثمتها وأدمتها.
(٣) الكافي ٢ : ٣٢٣ / ٦ ، تفسير الصافي ٤ : ٣٧٧.
(٤) تفسير القمي ٢ : ٢٧٧ ، الكافي ٢ : ٣٢٦ / ٢ ، تفسير الصافي ٤ : ٣٧٧.
(٥) مجمع البيان ٩ : ٤٧ ، تفسير الصافي ٤ : ٣٧٧.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٥ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4438_nafahat-alrahman05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
