ثمّ قال : قوله : ﴿إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى﴾ فيه منصب عظيم للصحابة ، لأنّه قال : ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ﴾(١)﴿أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾(٢) فكلّ من أطاع الله كان مقرّبا عند الله ، فدخل تحت قوله : ﴿إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى﴾.
أقول : هذا الكلام ممّا تضحك به الثكلى ، لأنّه يتمّ بناء على كون المراد من القربى الذين تقرّبوا إلى الله ورسوله بالعبادة والطاعة ، لا القرب النسبي ، ولا الأشخاص المعيّنة في الروايات النبوية بطرق عامية وخاصية ، ولم يقل به أحد.
وعلى الثاني لا يدخل في الآية غير الأربعة ، أو المعصومين من ذرّيته ، بناء على التعدّي إلى نظائر الأربعة ، وعلى الأول يدخل فيه الأشخاص الكثيرة ، ولا اختصاص له بالسابقين من الصحابة.
﴿وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيها حُسْناً إِنَّ اللهَ غَفُورٌ شَكُورٌ (٢٣)﴾
ثمّ حثّ سبحانه المؤمنين على مودّة ذوى القربى بقوله : ﴿وَمَنْ يَقْتَرِفْ﴾ ويكتسب فعلة أو خصلة ﴿حَسَنَةً﴾ عظيمة ، وهي مودّة المذكور ﴿نَزِدْ لَهُ﴾ في تلك الحسنة في الدنيا والآخرة ، ونضاعف ﴿فِيها حُسْناً﴾ أمّا في الدنيا فبالتوفيق والتأييد والإخلاص ، وأمّا في الآخرة فبالمغفره والدرجات العالية والنّعم التي يكون فهمها وفهم حسنها خارجا من طوق البشر.
ثمّ بالغ سبحانه في تعظيم هذه الحسنة باظهار شكره لها بقوله : ﴿إِنَّ اللهَ غَفُورٌ﴾ لذنوب محبّي ذوي القربى و﴿شَكُورٌ﴾ لاحسانهم عليه بهذه المودة التي هي أحبّ الأمور عنده ، فانّ الشكر هو فعل ما ينبيء عن تعظيم المنعم لكونه منعما ، والوادّ لآل الرسول صلىاللهعليهوآله كأنّه أنعم على الله بمودّته لهم ، فشكر سبحانه هذه النعمة بتوفية ثوابها ، والتفضّل عليه بما لا يقادر قدره ، وبإكرامه غايته.
قال الفخر الرازي : قيل : إنّها نزلت في أبي بكر ، والظاهر أنّها للعموم في أي حسنة كانت ، إلّا أنّها لمّا كانت عقيب ذكر المودّة في القربى دلّ على أن المقصود التأكيد في تلك المودّة (٣).
عن الصادق عليهالسلام : « أنّها نزلت فينا أهل البيت ، أصحاب الكساء »(٤).
وعن الحسن المجتبى عليهالسلام ، أنه قال في خطبة له : « إنّا من أهل بيت افترض الله مودّتهم على كلّ مسلم ، فقال : ﴿قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ﴾ إلى قوله : ﴿حُسْناً﴾ فاقتراف الحسنة مودّتنا أهل البيت » (٥).
وعن الباقر عليهالسلام - في هذه الآية - قال : « من توالى الأوصياء من آل محمد وتبع آثارهم ، فذاك نزيده (٦)
__________________
(١) التوبة : ٩ / ١٠٠.
(٢) الواقعة : ٥٦ / ١٠.
(٣) تفسير الرازي ٢٧ : ١٦٧.
(٤و٥) مجمع البيان ٩ : ٤٤ ، تفسير الصافي ٤ : ٣٧٤.
(٦) في الكافي : يزيده ، وفي النسخة : تزيده.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٥ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4438_nafahat-alrahman05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
