ثمّ هدّدهم سبحانه على أباطيلهم بقوله : ﴿وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ﴾ شديد من الله لمكابرتهم الحقّ بعد ظهوره ﴿وَلَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ﴾ لا يوصف بالبيان على كفرهم.
ثمّ أكد نزول القرآن من الله بقوله : ﴿اللهُ﴾ هو اللطيف ﴿الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتابَ﴾ الجامع للعلوم والأحكام مقرونا ﴿بِالْحَقِّ ،﴾ وشواهد الصدق ، ﴿وَ﴾ أنزل ﴿الْمِيزانَ﴾ قيل : هو الشرع الذي يوزن به الأعمال ، ويعيّن به وزن الأشخاص ، ويعتبر به الحقوق (١) . وقيل : هو كناية عن نفس العدل في الحقوق ، وإنزاله كناية عن الأمر به (٢) ، أو المراد به معناه الحقيقي لما (٣) روي أنّ جبرئيل نزل بالميزان ، فدفعه إلى نوح ، فقال له : مر قومك يزنوا به (٤).
وقيل : إنّ المراد به خاتم الأنبياء صلىاللهعليهوآله (٥). وقال القمي : هو أمير المؤمنين عليهالسلام (٦).
أقول : لا شكّ أن المعنيين واحد ، وإنّما قرن الله الميزان بالكتاب تنبيها على أن العدل في الحقوق أهمّ الامور بعد التوحيد ، وأنّه المقصود المهمّ من الكتاب ، وأنّ العدل وميزان الأعمال هو المهمّ في القيامة ، ولذا ذكرها بعده بقوله : ﴿وَما يُدْرِيكَ﴾ يا محمد ، وأيّ شيء يعلمك بحال الساعة التي هي من العظم والشدّة والخفاء بحيث لا يعلم وقت وقوعها أحد إلّا بإعلامنا ﴿لَعَلَ﴾ تلك ﴿السَّاعَةَ﴾ التي نطق بمجيئها الكتاب شيء ﴿قَرِيبٌ﴾ مجيئها ، فكونوا منها على حذر ، وتهيئوا لها بأعمالكم ، والعجب أنّه مع ذلك ﴿يَسْتَعْجِلُ بِهَا﴾ وسأل سرعة مجيئها استهزاء بالكتاب وبالنبي المخبرين بوقوعها الكفّار ﴿الَّذِينَ﴾ لا يعتقدون بالساعة و﴿لا يُؤْمِنُونَ بِها﴾ لعدم خوفهم منها ، ويقولون : متى هي ؟ ليتها قامت حتى يظهر أنّا على الحقّ أم محمد ﴿وَ﴾ لكن ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بها بإخبار النبيّ صلىاللهعليهوآله وكتابه كلّهم ﴿مُشْفِقُونَ﴾ وخائفون ﴿مِنْها﴾ ويتداركون لها ، ويتمنّون تأخيرها ، لأنّهم يتيقّنون ﴿وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُ﴾ الواقع لا محالة ﴿أَلا﴾ أيّها العقلاء اعلموا ﴿إِنَ﴾ السّفهاء ﴿الَّذِينَ يُمارُونَ﴾ ويجادلون النبي صلىاللهعليهوآله والمؤمنين ﴿فِي﴾ إمكان وقوع ﴿السَّاعَةِ﴾ وينكرون مجيئها عنادا ولجاجا ، والله ﴿لَفِي ضَلالٍ بَعِيدٍ﴾ عن الحقّ ، لوضوح إمكانه ، وكمال قدرة الله على إتيانها ، ووضوح وجوب الوفاء بالوعد على الله ، ووجوب وقوعها ، لأنّ استيفاء حقّ المظلوم من الظالم ، وعدم التسوية بين المطيع والعاصي واجب ، فلو لم تجيء الساعة لزم تضييع حقّ المظلوم والمطيع ، وهو محال على الله.
﴿اللهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ (١٩)﴾
__________________
(١-٤) تفسير روح البيان ٨ : ٣٠١.
(٥) مجمع البيان ٩ : ٤٠ ، تفسير روح البيان ٨ : ٣٠٢.
(٦) تفسير القمي ٢ : ٢٧٤ ، تفسير الصافي ٤ : ٣٧٠.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٥ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4438_nafahat-alrahman05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
