وقال له شيبة بن ربيعة : إن رجعت إلى دين آبائك ازوّجك بنتي. فنزلت ﴿وَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ﴾(١) .
﴿وَقُلْ آمَنْتُ بِما أَنْزَلَ اللهُ مِنْ كِتابٍ﴾ أيّ كتاب كان من الكتب المنزلة ، ولست كالذين قالوا نؤمن ببعض ونكفر ببعض ﴿وَأُمِرْتُ﴾ أيضا من قبل ربّي ﴿لِأَعْدِلَ﴾ في الحكم ﴿بَيْنَكُمُ﴾ إذا تحاكمتم إليّ ، أو المراد لاسوّي بين ضعيفكم وقويكم ووضيعكم وشريفكم في الدعوة والهداية ، أو اسوّي بينكم وبين نفسي بأن احبّ لكم ما احبّ لنفسي ، ولا افرّق بين نفسي وبينكم ، بأن آمركم بما لا أعمل به ، وأنهاكم عمّا لا انتهي عنه ﴿اللهُ رَبُّنا وَرَبُّكُمْ﴾ ليس ربي غير ربّكم ﴿لَنا أَعْمالُنا﴾ وجزاؤها ، لا اعذّب بسيئاتكم ، ولا تعذّبون بسيئاتي ، فوجب أن يهتمّ كلّ أحد باصلاح عمل نفسه ﴿لا حُجَّةَ﴾ باقية ، ولا مجال بعد للمحاجّة ﴿بَيْنَنا وَبَيْنَكُمُ﴾ لأنّه أقمت عليكم حجّتي ، ووضح عندكم صدقي ، فاذا جاء يوم القيامة ﴿اللهُ يَجْمَعُ بَيْنَنا﴾ في صعيد واحد ﴿وَإِلَيْهِ﴾ وحده ﴿الْمَصِيرُ﴾ وإلى حكمه المرجع ، لا يحكم بين الخلق إلّا هو ، ولا يمتنع أحد عن نفوذ حكمه عليه ، فيجازينا وإيّاكم على أعمالنا بعد تمامية الحجّة علينا في الدنيا.
﴿وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللهِ مِنْ بَعْدِ ما اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ داحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ
وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ * اللهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزانَ
وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ * يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها وَالَّذِينَ
آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْها وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ أَلا إِنَّ الَّذِينَ يُمارُونَ فِي السَّاعَةِ لَفِي
ضَلالٍ بَعِيدٍ (١٦) و (١٨)﴾
ثمّ لمّا كان لليهود والنصارى مجال الاحتجاج على صحّة دينهم ، بأنّه ممّا اتفق عليه ، فلزم أن يكون حقا ، ردّ الله سبحانه عليهم بقوله : ﴿وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ﴾ ويخاصمون النبيّ صلىاللهعليهوآله والمؤمنين ﴿فِي﴾ دين ﴿اللهِ﴾ الذي دعا إليه الرسول ﴿مِنْ بَعْدِ ما اسْتُجِيبَ لَهُ﴾ من قبل كثير من الناس ، أو من قبل المحاجّين في عالم الذرّ ويوم الميثاق ﴿حُجَّتُهُمْ داحِضَةٌ﴾ وباطلة ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ لأنّهم اتّفقوا على وجوب الايمان بمن أدّعى الرسالة ، وأتى بمعجزة دالة على صدقه ، ولذا آمنوا بموسى وعيسى عليهماالسلام ، فلزم من ذلك الإيمان بمحمد صلىاللهعليهوآله حيث أتى بمعجزات شاهدوها دالة على صدق دعوى رسالته ، فليس لهم التفكيك بين الايمان بموسى عليهالسلام والايمان بمحمد صلىاللهعليهوآله.
__________________
(١) تفسير روح البيان ٨ : ٢٩٩.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٥ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4438_nafahat-alrahman05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
