الإلهية ، والمعاد ، والأخلاق ، والزّهد في الدنيا ، والإقبال إلى الآخرة ، وتظاهروا على حفظه والمواظبة عليه ﴿وَلا تَتَفَرَّقُوا﴾ ولا تختلفوا ﴿فِيهِ﴾.
أقول : فيه دلالة على أنّ أصل الدين من أول الدنيا الاسلام ، والأحكام فروعه التي تختلف باختلاف الاعصار.
وقيل : إنّ المراد اجتمعوا على التوحيد ، ولا تتفرّقوا بآلهة كثيرة ، فانّ ذلك خلاف العقل ، ومع ذلك ﴿كَبُرَ﴾ وثقل وشقّ ﴿عَلَى الْمُشْرِكِينَ﴾ قبول ﴿ما تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ﴾ من التوحيد ورفض عبادة الأصنام ، لخبث طينتهم ، وضعف عقولهم و﴿اللهُ يَجْتَبِي﴾ ويجمع ويجلب ﴿إِلَيْهِ﴾ ويوفّق لقبول توحيده ﴿مَنْ يَشاءُ﴾ توفيقه وجلبه ﴿وَيَهْدِي إِلَيْهِ﴾ بالإرشاد والإمداد وألطافه الخاصّة ﴿مَنْ يُنِيبُ﴾ ويقبل إليه بقلب سليم.
روي أنّه تعالى قال : من تقرّب منّي شبرا ، تقرّبت منه ذراعا ، ومن أتاني يمشي أتيته هرولة (١) .
قيل : إنّ المعنى من أقبل إليّ بطاعته ، أقبلت إليه بهدايتي وإرشادي بأن أشرح صدره وأسهّل أمره(٢) .
عن الباقر عليهالسلام : « أنّ الله بعث نوحا إلى قومه أن أعبدوا الله واتّقوه وأطيعوني ، ثمّ دعاهم إلى الله وحده ، وأن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا ، ثمّ بعث الأنبياء على ذلك ، إلى أن بلغوا محمدا صلىاللهعليهوآله فدعاهم إلى أن يعبدو الله ، ولا يشركوا به شيئا ، وقال : ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ﴾ إلى قوله : ﴿مَنْ يُنِيبُ﴾ فبعث الأنبياء إلى قومهم بشهادة أن لا إله إلّا الله ، والإقرار بما جاء من عند الله ، فمن آمن مخلصا ، ومات على ذلك ، أدخله الله الجنّة بذلك ، وذلك أنّ الله ليس بظلام للعبيد ، وذلك إن الله لم يكن يعذّب عبدا (٣) حتى يغلّظ عليه في القتل والمعاصي التي أوجب الله عليه بها النار ، فلمّا استجاب لكلّ نبيّ من استجاب له من قومه من المؤمنين ، جعل لكلّ نبيّ شرعة ومنهاجا ، والشرعة(٤)والمنهاج سبيل وسنّة »(٥).
وعن الرضا عليهالسلام في تأويله : « نحن الذين شرع الله لنا دينه ، فقال في كتابه : ﴿شَرَعَ لَكُمْ﴾ يا آل محمد ﴿مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً﴾ ووصّينا بما وصّى به نوحا ، ﴿وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ﴾ يا محمد ﴿وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسى﴾ فقد أعلمنا وبلّغنا علم ما علمنا ، واستودعنا علمهم ، نحن ورثة أولوا العزم من الرسل ﴿أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ﴾ يا آل محمد ﴿وَلا تَتَفَرَّقُوا﴾ وكونوا على جماعة ﴿كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ﴾ من أشرك بولاية عليّ ﴿ما تَدْعُوهُمْ﴾ من ولاية علي ، إنّ ﴿اللهُ﴾ يا محمّد ﴿يَهْدِي
__________________
(١و٢) تفسير الرازي ٢٧ : ١٥٧.
(٣) في النسخة : أنه إن لم يكن يعذب أبدا.
(٤) في النسخة : والشرع.
(٥) الكافي ٢ : ٢٤ / ١ ، تفسير الصافي ٤ : ٣٦٩.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٥ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4438_nafahat-alrahman05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
