الضيف ، دلالة على أن ما أعدّ لهم بعد ذلك من عظائم الامور بالنسبة إلى ما ذكر أكثر بمراتب (١).
ثمّ لمّا حكى سبحانه الأقوال السيئة عن الكفّار ، كقولهم : ﴿قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ﴾ ... ﴿وَفِي آذانِنا وَقْرٌ﴾(٢) وقولهم : ﴿لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ﴾(٣) أخبر بأنّ أقوال المسلمين أحسن الأقوال بقوله : ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً﴾ من أطيب كلاما ﴿مِمَّنْ دَعا﴾ الناس ﴿إِلَى اللهِ﴾ وإلى توحيده ، ومعرفة صفاته الكمالية ، وطاعته وعبادته ﴿وَعَمِلَ﴾ نفسه عملا ﴿صالِحاً﴾ فانّ أعظم الطاعات دعوة الخلق إلى الحقّ ، مع كون عمله موافقا لقوله ، واختار دين الاسلام الذي هو الدين المرضيّ عند الله ﴿وَقالَ﴾ ابتهاجا به : ﴿إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾.
قيل : إنّ المراد من الداعي إلى الله رسول الله صلىاللهعليهوآله (٤) . وقيل : هم المؤذّنون (٥) ، قيل : كان بلال يؤذّن ويقول اليهود : غراب أسود يدعو إلى الصلاة ! فنزلت الآية (٦) .
وعن العياشي : أنّها في عليّ عليهالسلام (٧) . وقيل : إنّ المراد هو العموم (٨) .
أقول : من المعلوم أنّ أكمل مصاديق الداعي هو النبيّ والوصيّ صلوات الله عليهما والكمّلون من أصحابهما.
﴿وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ
عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (٣٤)﴾
ثمّ رغّب سبحانه نبيّه صلىاللهعليهوآله في الدعوة إلى الحقّ بعد بيان كونها أحسن الأقوال بقوله : ﴿وَلا تَسْتَوِي﴾ الأقوال ﴿الْحَسَنَةُ﴾ التي منها دعوتك إلى الدين الحقّ ، والصبر على أذى قومك ﴿وَلا﴾ الأقوال ﴿السَّيِّئَةُ﴾ والتي منها الصادرة من المشركين المعاندين للحقّ ، كقولهم : ﴿قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ﴾ ونظائره في الجزاء والعاقبة ، فانّ أقوالك الحسنة موجبة لعظمتك في الدنيا وعلوّ درجاتك في الآخرة ، والأقوال السيئة من أعدائك موجبة لانحطاطهم وعقوبتهم في الدارين ، فلا يفتّرك سيئات أقوالهم وأعمالهم في اجتهادك في الدعوة ، بل عليك بالجدّ والصبر على أذاهم و﴿ادْفَعْ﴾ سيئتهم التي اعترضتك ﴿بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ والطرق في دفعها ، وهي الرفق والمداراة ومقابلة إساءتهم
__________________
(١) تفسير روح البيان ٨ : ٢٥٧.
(٢) فصلت : ٤١ / ٥.
(٣) فصلت : ٤١ / ٢٦.
(٤) تفسير الرازي ٢٧ : ١٢٥ ، تفسير روح البيان ٨ : ٢٥٧.
(٥) تفسير الرازي ٢٧ : ١٢٥ ، تفسير أبي السعود ٨ : ١٤ ، تفسير روح البيان ٨ : ٢٥٧ ، وفي النسخة : هو المؤذنون.
(٦) تفسير روح البيان ٨ : ٢٥٩.
(٧) تفسير الصافي ٤ : ٣٦١.
(٨) تفسير أبي السعود ٨ : ١٤.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٥ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4438_nafahat-alrahman05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
