فلا يتمكّن القارئ من القراءة ، ولا المستمع من الاستماع ، لتشتّت حواسّهم والتشويش والتلبيس عليهم.
ثمّ هدّدهم سبحانه بقوله : ﴿فَلَنُذِيقَنَ﴾ هؤلاء ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وسعوا في تلبيس الحقّ بالباطل ، ولغوا في القرآن ﴿عَذاباً شَدِيداً﴾ لا يقادر قدره ، ولا يمكن في هذا العالم وصفه ﴿وَ﴾ والله ﴿لَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ﴾ الجزاء ﴿الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ﴾.
عن ابن عباس : عذابا شديدا يوم بدر ، واسوأ الذي كانوا يعملون في الآخرة (١).
﴿ذلِكَ﴾ الجزاء الأسوأ هو ﴿جَزاءُ أَعْداءِ اللهِ﴾ وهي ﴿النَّارُ﴾ وقيل : إنّ النار مبتدأ وخبره قوله : ﴿لَهُمْ ،﴾ وعلى الوجه الأوّل من كون النار بيانا للجزاء ، يكون المعنى ﴿لَهُمْ فِيها دارُ الْخُلْدِ﴾ ومنزل الإقامة الأبدية (٢).
وقيل : إنّ المراد أنّ لهم في النار المشتملة على الدركات دارا مخصوصة يخلّدون فيها (٣) ، أو اسمها دار الخلد.
ثمّ نبّه سبحانه على أنّ ذلك الجزاء هو مقتضى العدل بقوله : ﴿جَزاءً بِما كانُوا﴾ في الدنيا ﴿بِآياتِنا﴾ المنزلة تصديقا لرسالة النبي صلىاللهعليهوآله وهداية إلى الدين الحقّ ﴿يَجْحَدُونَ﴾ ويلغون فيها بسبب جحودهم إياها. قيل : إنّ التقدير يجزون جزاء (٤) ، ويحتمل كون ( جزاء ) مفعولا لأجله ، والمعنى أنّ الخلود في النّار لأجل كونه جزاء بعوض جحودهم الآيات ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ حين دخولهم في النار ، وتقلّبهم في العذاب ﴿رَبَّنا أَرِنَا﴾ وعرّفنا الشياطين ﴿الَّذَيْنِ أَضَلَّانا﴾ وحرفانا عن صراط دينك ﴿مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾ بالتسويل والتزيين.
وقيل : إنّ المراد من الإنس قابيل الذي سنّ القتل ظلما ، ومن الجنّ الشيطان الذي سنّ الكفر(٥).
وعن أمير المؤمنين عليهالسلام : « يعنون إبليس الأبالسة ، وقابيل بن آدم أوّل من أبدع المعصية »(٦).
وعن السجاد عليهالسلام : « تأويل الإنس بفلان » (٧).
وعن الصادق عليهالسلام : « تأويلهما بهما » (٨).
__________________
(١) تفسير أبي السعود ٨ : ١٢ ، تفسير روح البيان ٨ : ٢٥٢.
(٢) تفسير روح البيان ٨ : ٢٥٢.
(٣) تفسير أبي السعود ٨ : ١٢ ، تفسير روح البيان ٨ : ٢٥٣.
(٤) تفسير روح البيان ٨ : ٢٥٣.
(٥) تفسير أبي السعود ٨ : ١٢ ، تفسير روح البيان ٨ : ٢٥٣.
(٦) مجمع البيان ٩ : ١٧ ، تفسير الصافي ٤ : ٣٥٨.
(٧) تفسير نور الثقلين ج ٤ : ٥٤٥.
(٨) الكافي ٨ : ٣٣٤ / ٥٢٣ ، تفسير الصافي ٤ : ٣٥٨ ، وفيهما : قال : هما ، ثم قال : فلان شيطانا.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٥ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4438_nafahat-alrahman05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
