أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ بتسبيحه وغيره ، فمع قدرتنا على النّطق ، لم يكن لنا أن نكتم الشهادة عند الله بما عملتم بواسطتنا من القبائح ﴿وَهُوَ﴾ القادر الذي ﴿خَلَقَكُمْ﴾ وأوجدكم ﴿أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ في الدنيا ﴿وَإِلَيْهِ﴾ بعد خروجكم منها ﴿تُرْجَعُونَ﴾ فكيف يستبعد منه إنطاق جوارحكم وأعضائكم.
وقيل : إنّه ابتداء كلام الله لا كلام الجلود (١) .
﴿وَما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ وَلكِنْ
ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللهَ لا يَعْلَمُ كَثِيراً مِمَّا تَعْمَلُونَ * وَذلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ
أَرْداكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ * فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ وَإِنْ
يَسْتَعْتِبُوا فَما هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ * وَقَيَّضْنا لَهُمْ قُرَناءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ
وَما خَلْفَهُمْ وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ
إِنَّهُمْ كانُوا خاسِرِينَ (٢٢) و (٢٥)﴾
ثمّ قرّر سبحانه كلام الجلود بتوبيخ أعدائه وتقريعهم في ذلك اليوم بقوله : ﴿وَما كُنْتُمْ﴾ في الدنيا ﴿تَسْتَتِرُونَ﴾ أعمالكم مخافة ﴿أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ﴾ في هذا اليوم ﴿سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ﴾ على قبائح أعمالكم عند الله ، لعدم اعتقادكم بالبعث وجزاء الأعمال ، وعدم تصوركم إمكان شهادتها عليكم ﴿وَلكِنْ ظَنَنْتُمْ﴾ وتوهّمتم حين استتاركم ﴿أَنَّ اللهَ لا يَعْلَمُ كَثِيراً مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾ من القبائح خفية وسرا ، فلا يؤاخذكم بها في الآخرة على تقدير وقوعها وفرض إمكانها ، ولذلك أجترأتم على ما فعلتم خفية.
عن ابن مسعود ، قال : كنت مستترا باستار الكعبة ، فدخل ثلاثة نفر : ثقفيان وقرشي ، أو قرشيان وثقفي ، كثير شحم بطونهم ، قليل فقه قلوبهم. فقال أحدهم : أترون أنّ الله يسمع ما نقول ؟ قال الآخر : يسمع إن جهرنا ، ولا يسمع إن أخفينا. فذكر ذلك للنبي صلىاللهعليهوآله ، فأنزل الله تعالى : ﴿وَما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ﴾ الآية (٢).
﴿وَذلِكُمْ﴾ الظنّ يا أعداء الله ﴿ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ﴾ المحيط بكم وبأعمالكم الخفية والجلية ﴿أَرْداكُمْ﴾ وأهلككم ﴿فَأَصْبَحْتُمْ﴾ وصرتم بسببه ﴿مِنَ﴾ جملة ﴿الْخاسِرِينَ﴾ والمتضررين بأعظم الضرر في الآخرة ، حيث ضيّعوا أعمارهم وعقولهم وجوارحهم التي سببا
__________________
(١) تفسير روح البيان ٨ : ٢٤٨.
(٢) تفسير الرازي ٢٧ : ١١٧ ، تفسير أبي السعود ٨ : ١٠ ، تفسير روح البيان ٨ : ٢٤٩.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٥ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4438_nafahat-alrahman05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
