والمواعظ والعبر وغير ذلك من المطالب العالية المختلفة.
قيل : إنّه ليس بين الناس كتاب اجتمع فيه العلوم المختلفة والمطالب المتباينة مثل القرآن (١).
ثمّ بالغ سبحانه في مدح الكتاب بقوله : ﴿قُرْآناً﴾ قيل : إنّ المعنى اريد من هذا الكتاب المفصّل ، أو حال كونه قرآنا (٢)﴿عَرَبِيًّا﴾ كائنا ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ ويفهمون اللغة العربية ، كما قال تعالى : ﴿ما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ﴾(٣) ليكون ذلك الكتاب ﴿بَشِيراً﴾ ومبشّرا لمصدّقيه والمطيعين لأحكامه بالجنّة ﴿وَنَذِيراً﴾ ومحذّرا لمكذّبيه ومخالفيه بالنار.
ثمّ حكى سبحانه شقاوة القوم الذين نزل القرآن بلغتهم بقوله تعالى : ﴿فَأَعْرَضَ﴾ عنه ﴿أَكْثَرُهُمْ﴾ فلم يتدبّروا فيه مع كونه بلغتهم ﴿فَهُمْ﴾ كأنهم (٤) صمّ ﴿لا يَسْمَعُونَ﴾ آياته ، أو المراد فهم لا يسمعونه سماع القبول ، وهم مع ذلك عارضوه النبيّ صلىاللهعليهوآله﴿وَقالُوا﴾ يا محمّد ، أنت تدعونا إلى الإيمان بكتابك وتوحيد ربّك ، والحال أنّه ﴿قُلُوبُنا﴾ كائنة ﴿فِي أَكِنَّةٍ﴾ وأغطية متكاثفة تمنعها ( من ) فهم ما ﴿تَدْعُونا إِلَيْهِ﴾ من التوحيد ﴿وَ﴾ كائن ﴿فِي آذانِنا وَقْرٌ﴾ وثقل ، أو صم لا يمكننا سماع صوتك واستماع آيات كتابك ﴿وَمِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ﴾ مع ذلك ﴿حِجابٌ﴾ وساتر ومانع من رؤيتك.
قيل : إنّ كلمة ( من ) دالة على قوّة الحجاب واستيعابه للمسافة الكائنة بينهم وبينه (٥) ، ولما كان القلب والسمع والبصر آلة للإدراك ، واقتصروا على ذكرها ، وفيه بيان لغاية إعراضهم ونفرتهم عنه.
ثمّ قالوا : يا محمّد ، إذن ﴿فَاعْمَلْ﴾ واجتهد في ترويج دينك وتشييد رسالتك و﴿إِنَّنا﴾ أيضا ﴿عامِلُونَ﴾ وساعون في إبطال دينك والإخلال في أمرك. وقيل : يعني اعمل أنت على دينك ، وإنّا أيضا عاملون على ديننا (٦).
﴿قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ
وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ * الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ
كافِرُونَ (٦) و (٧)﴾
ثمّ أمر سبحانه بجوابهم بقوله : ﴿قُلْ﴾ يا محمد ، لهم ﴿إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ لا قدرة لي على إجباركم وقهركم على الايمان وقبول التوحيد ، وإنّما المائز بيني وبينكم أنّه ﴿يُوحى إِلَيَ﴾ من قبل ربّي ولا يوحى إليكم ، ووظيفتي تبليغ ما يوحى إليّ ، وهو ﴿أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ﴾ وهو ربّ العالمين ،
__________________
(١) تفسير روح البيان ٨ : ٢٢٦.
(٢) تفسير الرازي ٢٧ : ٩٤ ، تفسير روح البيان ٨ : ٢٢٦.
(٣) إبراهيم : ١٤ / ٤.
(٤) في النسخة : كأنّه.
(٥) تفسير الرازي ٢٧ : ٩٧.
(٦) مجمع البيان ٩ : ٥ ، تفسير روح البيان ٨ : ٢٢٨.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٥ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4438_nafahat-alrahman05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
