﴿لا جَرَمَ أَنَّما تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيا وَلا فِي الْآخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنا
إِلَى اللهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحابُ النَّارِ * فَسَتَذْكُرُونَ ما أَقُولُ لَكُمْ
وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللهِ إِنَّ اللهَ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ * فَوَقاهُ اللهُ سَيِّئاتِ ما مَكَرُوا
وَحاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذابِ (٤٣) و (٤٥)﴾
ثمّ بالغ في إبطال الشرك بقوله : ﴿لا جَرَمَ﴾ قيل : هي كلمة مستقلّة في إثبات ما بعدها (١)﴿أَنَّما تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ﴾ وتتوقّعون منّي عبادته من الأصنام ﴿لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيا﴾ إلى عبادته بإرسال الرسول وإنزال الكتاب والنّطق والبيان ، لأنّها جماد ﴿وَلا فِي الْآخِرَةِ﴾ بل يتبرأ ممّن عبده.
قيل : إنّ المعنى حقّ وثبت أنّ إلهكم ليس له استجابة دعوة عابدية في الدنيا بالبقاء والصحّة والغناء وغيرها ، ولا في الآخرة بالنجاة (٢) ورفعة الدرجات ونحوها ، فكيف يكون مع غاية العجز ، ربّا ؟ ! أو المراد ليس له دعوة مستجابة.
﴿وَ﴾ ثبت ﴿أَنَّ مَرَدَّنا﴾ ومرجعنا بعد الموت والخروج من الدنيا ﴿إِلَى اللهِ﴾ وحده ، فيجازينا على أعمالنا في الدنيا ﴿وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ﴾ والمتجاوزين عن حدود العقل بالاشراك والظلم على الناس ﴿هُمْ﴾ بالخصوص ﴿أَصْحابُ النَّارِ﴾ وملازموها يعذّبون فيها أبدا.
ثمّ قيل : لمّا خوّفه القوم بالقتل خوّفهم بقوله (٣) : ﴿فَسَتَذْكُرُونَ﴾ وعن قريب تعلمون ﴿ما أَقُولُ لَكُمْ﴾ من عدم الفائدة في عبادة الأصنام ، وأن المرجع هو الله ، وإنّ المشركين معذّبون في النار عند الموت ، أو حين مشاهدة العذاب ، ﴿وَ﴾ أنا ﴿أُفَوِّضُ أَمْرِي﴾ في دفع كيدكم وتظاهركم عليّ ﴿إِلَى اللهِ﴾ القادر على نصرة أوليائه ، وأتوكّل عليه ﴿إِنَّ اللهَ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ﴾ يعلم المحقّ والمبطل ، ومن يعارضه ويتوكّل عليه فينصره ، ويثيب المحقّ والمتوكّل ، ويخذل المبطل والمعارض له ويعاقبه.
في بيان نجات مؤمن آل فرعون من القتل
ثمّ أمر فرعون بقتله ﴿فَوَقاهُ اللهُ﴾ حفظه من ﴿سَيِّئاتِ ما مَكَرُوا﴾ وشدائد ما همّوا به من الايذاء والقتل.
قال بعض العامة : إنّ المؤمن هرب إلى جبل ، واشتغل بالصلاة والعبادة ، فبعث الله السباع فأحاطوا به وحرسوه ، وبعث فرعون جماعة من خواصه ليأخذوه ، فجاؤا فوجدوه يصلّي والسباع محيطة به ، فخافوا من السباع ، ورجعوا إلى فرعون وأخبروه بما رأوا من حال المؤمن ، فقتل
__________________
(١) تفسير أبي السعود ٧ : ٢٧٨ ، تفسير روح البيان ٨ : ١٨٧.
(٢) تفسير روح البيان ٨ : ١٨٧.
(٣) تفسير الرازي ٢٧ : ٧١.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٥ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4438_nafahat-alrahman05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
