﴿يَوْمَ هُمْ بارِزُونَ لا يَخْفى عَلَى اللهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْواحِدِ
الْقَهَّارِ (١٦)﴾
ثمّ عرّف سبحانه ذلك ببيان ما فيه من الأهوال والشدائد بقوله : ﴿يَوْمَ﴾ يحشر الناس و﴿هُمْ بارِزُونَ﴾ وظاهرون ، ولا يسترهم جبل ولا أكمة ولا بناء ، لكون الأرض مستوية ، ولا ثياب لكونهم عراة ، كما في الحديث : « يحشرون حفاة عراة ، أو المراد هم بارزون وخارجون من قبورهم » (١) .
وقيل : بروزهم كناية عن ظهور أعمالهم وأسرارهم (٢) .
﴿لا يَخْفى عَلَى اللهِ مِنْهُمْ﴾ مع كثرتهم ﴿شَيْءٌ﴾ من أعيانهم وأعمالهم الجليّة والخفية السابقة واللاحقة ، فينادي مناد حين ظهورهم وظهور أعمالهم : يا أهل المحشر ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ﴾ والسّلطنة المطلقة ﴿الْيَوْمَ﴾ ثمّ يقول ذلك المنادي على قول (٣) ، أو أهل المحشر على قول (٤) ، أو الله تعالى على قول (٥) : الملك اليوم ﴿لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ﴾.
قيل : يقول المؤمنون ذلك تلذّذا حيث نالوا بهذا الذكر المنزلة الرفيعة ، ويقوله الكفّار تحسّرا وندامة على فوت هذا الذّكر منهم في الدنيا (٦).
وقيل : إنّ المجيب هو إدريس النبيّ ، كما عن أمير المؤمنين عليهالسلام (٧) ، وفي رواية قال : « ويقول الله : ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾ ثمّ تنطق أرواح أنبيائه ورسله وحججه فيقولون : ﴿لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ﴾ » (٨).
وعن الصادق عليهالسلام - في حديث إماتة الله أهل الأرض وأهل السماء والملائكة - قال : « ثمّ لبث مثل ما خلق الله الخلق ، ومثل ذلك كلّه ، وأضعاف ذلك ، ثمّ يقول الله تعالى : ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ؟﴾ ثمّ يردّ على نفسه : لله الواحد القهار. أين الجبّارون ، أين الذين ادّعوا معي إلها آخر ، أين التكبّرون ونخوتهمّ ثمّ يبعث الخلق »(٩) الخبر.
قيل : إنّما خصّ النداء بيوم القيامة مع أنّ ملك الوجود له تعالى من الأزل إلى الأبد ، وأنّه قاهر الممكنات تحت إرادته من بدو الخلق إلى آخر الدهر ، ونداء ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ﴾ منه تعالى باق في المعنى في الدنيا والآخرة ؛ لأنّ الدنيا دار الأسباب ، ولو لا الأسباب لما ارتاب المرتاب ، وفي القيامة
__________________
(١) تفسير روح البيان ٨ : ١٦٧.
(٢) تفسير الرازي ٢٧ : ٤٥.
(٣) تفسير روح البيان ٨ : ١٦٧.
(٤) تفسير روح البيان ٨ : ١٦٧.
(٥) تفسير الرازي ٢٧ : ٤٧.
(٦) تفسير الرازي ٢٧ : ٤٦.
(٧) تفسير روح البيان ٨ : ١٦٧ ، ولم نسبه إلى أمير المؤمنين عليهالسلام.
(٨) التوحيد : ٢٣ / ١ ، تفسير الصافي ٤ : ٣٣٧.
(٩) تفسير القمي ٢ : ٢٥٦ و٢٥٧ ، تفسير الصافي ٤ : ٣٣٧.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٥ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4438_nafahat-alrahman05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
