نسي التوبة إلى الله تعالى ممّا يقول في رسول الله إنّه ساحر ، ولذلك قال الله تعالى : ﴿قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلاً إِنَّكَ مِنْ أَصْحابِ النَّارِ﴾ يعني إمرتك على الناس بغير حقّ من الله تعالى ومن رسوله » (١).
﴿أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِداً وَقائِماً يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ
هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ (٩)﴾
ثمّ إنّه تعالى بعد ذمّ المشرك وتهديده ، مدح الموحّد المنقطع إلى الله بقوله : ﴿أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ﴾ وعابد لله ﴿آناءَ اللَّيْلِ﴾ وساعاته حال كونه ﴿ساجِداً﴾ لله ﴿وَقائِماً﴾ في الصلاة وباجتهاده في العبادة ﴿يَحْذَرُ الْآخِرَةَ﴾ ويتقّي من أهوالها ، ﴿وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ ومغفرته ، وفضله عليه بالجنة ونعمها الدائمة ، لا إنّه يحذر ضرر الدنيا ويرجو منافعها فقط ، كمن يعرض عن عبادة الله ويشرك به مخلوقاته الخسيسة ، حاشا أن يكونا متساويين.
عن ابن عباس : من أحبّ أن يهوّن الله عليه الموقف يوم القيامة ، فليره الله في سواد الليل ساجدا وقائما ، يحذر الآخرة ، ويرجو رحمة ربّه »(٢) .
ثمّ أكّد سبحانه إنكار التساوي بين الموحدّين المطيعين والمشركين العاصين بقوله : ﴿قُلْ﴾ يا محمّد ، للعقلاء المنصفين ﴿هَلْ يَسْتَوِي﴾ في نظركم وحكم عقلكم ﴿الَّذِينَ يَعْلَمُونَ﴾ المبدأ والمعاد ، وما ينجون به من المهالك ، وما فيه صلاحهم ﴿وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ شيئا ؟ بل في جهلهم وضلالهم يعمهون ، لا يستوون أبدا ، بل بينهما بون بعيد ، لوضوح أنّ الأولين في أعلى درجات السعادة والخير ، والآخرين في أنزل دركات الشقاوة والشرّ ، وفيه تنبيه على أنّ القانتين هم العلماء ، وغيرهم هم الجهّال ، وإن حصّلوا العلوم الظاهرية.
قال بعض العامة : إنّ الآية نزلت في عثمان ، لأنّه كان يحيي الليل في ركعة واحدة يقرأ القرآن فيها (٣) .
أقول : لا شبهة في أنّ أمير المؤمنين عليهالسلام كان أعبد أصحاب الرسول وأعلمهم ، فنزوله في شأنه أولى ، كما عن الصادق عليهالسلام في الرواية السابقة. قال : « ثمّ عطف القول من الله في عليّ عليهالسلام يخبر بحاله وفضله عند الله ، فقال : ﴿أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ﴾ إلى أن قال : ﴿الَّذِينَ يَعْلَمُونَ﴾ أنّ محمدا رسول الله صلىاللهعليهوآله ﴿وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ أنّ محمدا رسول الله صلىاللهعليهوآله ، أو أنّه ساحر كذّاب » (٤) .
ثمّ نبّه سبحانه على أنّ فهم التفاوت بينهم شأن العقلاء بقوله : ﴿إِنَّما يَتَذَكَّرُ﴾ ويفهم ذلك التفاوت
__________________
(١) الكافي ٨ : ٢٠٤ / ٢٤٦ ، تفسير الصافي ٤ : ٣١٥.
(٢) تفسير روح البيان ٨ : ٨١.
(٣) تفسير الرازي ٢٦ : ٢٥١.
(٤) الكافي ٨ : ٢٠٤ / ٢٤٦ ، تفسير الصافي ٤ : ٣١٦.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٥ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4438_nafahat-alrahman05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
