رجوع إلى السكون (١) .
وفي الآيتين تسلية قلب النبي صلىاللهعليهوآله ، لئلا يحزن من تكذيبهم وعدم إيمانهم بأنّ قومه جند قليل من الأحزاب الذين كذبوا الرسل ، فاستأصلهم الله بالعذاب ، مع كونهم في غاية الكثرة والشّوكة والقوّة ، فكيف بقومه الذين هم ضعفاء قليلون ، وتهديد لمكذّبيه ومعارضيه ﴿وَ﴾ مع ذلك ﴿قالُوا﴾ استهزاء بالرسول حين سمعوا خبر تأخير العذاب إلى الآخرة : ﴿رَبَّنا﴾ وإلهنا ﴿عَجِّلْ لَنا﴾ بلطفك ﴿قِطَّنا﴾ ونصيبنا من العذاب الذي وعدنا محمّد ﴿قَبْلَ يَوْمِ الْحِسابِ﴾ والنفخ في الصّور ، ولا تؤخّره إليه.
﴿اصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ * إِنَّا سَخَّرْنَا
الْجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْراقِ * وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ *
وَشَدَدْنا مُلْكَهُ وَآتَيْناهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطابِ (١٧) و (٢٠)﴾
ولمّا كان في قولهم هذا زيادة السخرية والاستهزاء به ، (٢) بالغ سبحانه في تسلية النبيّ صلىاللهعليهوآله بقوله: و﴿اصْبِرْ﴾ يا محمد ﴿عَلى ما يَقُولُونَ﴾ من الاستهزاء والتكذيب ، وطب نفسا بما فضّلناك على جميع الرسل من الكتاب والحكمة والسّلطنة في الملك والملكوت وجوامع الكلم وفصل الخطاب ﴿وَاذْكُرْ﴾ لتسلية قلبك ما أعطيناه ﴿عَبْدَنا﴾ المخلص لنا ، أعني ﴿داوُدَ﴾ بن ايشا ﴿ذَا الْأَيْدِ﴾ والقوة في البدن والدين ، ومع ذلك ﴿إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ ورجّاع إلى الله بالتضرّع والتوبة ، والتسبيح والتقديس ، ولذا ﴿إِنَّا﴾ بقدرتنا ﴿سَخَّرْنَا﴾ وذللّنا ﴿الْجِبالَ﴾ له يسيرون ﴿مَعَهُ﴾ وتبعا له حال كونهنّ ﴿يُسَبِّحْنَ﴾ لله حالا بعد حال كرامة له ﴿بِالْعَشِيِ﴾ وآخر النهار ﴿وَالْإِشْراقِ﴾ أوّل النهار ، ﴿وَ﴾ سخّرنا ﴿الطَّيْرَ﴾ بأنواعها حال كونها ﴿مَحْشُورَةً﴾ ومجموعة إليه من كلّ جانب ، ثمّ ﴿كُلٌ﴾ من الجبال والطير حال تسبيح داود عليهالسلام ﴿لَهُ أَوَّابٌ﴾ ورجّاع بالتسبيح والتقديس.
عن ابن عباس : كان داود عليهالسلام إذا سبّح جاوبته الجبال بالتسبيح ، واجتمعت إليه الطير فسبّحت ، وذلك حشرها (٣) .
وقيل : إنّ ضمير ( له ) راجع الى الله ، والمعنى : أنّ داود والجبال والطير لله أواب ومسبّح (٤) .
روي أنّ الله تعالى لم يعط أحدا من خلقه ما أعطى داود من حسن الصوت ، فلمّا وصل إلى الجبال ألحان داود تحرّكت من لذّة السّماع ، فوافقته في الذّكر والتسبيح ، ولما سمعت الطيور نغماته صفرت
__________________
(١) تفسير الرازي ٢٦ : ١٨٣.
(٢) زاد في النسخة : ثمّ.
(٣و٤) تفسير الرازي ٢٦ : ١٨٦ ، تفسير روح البيان ٨ : ١٣.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٥ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4438_nafahat-alrahman05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
