وقيل : إنّ المراد بالأسباب الفلكيات ،وأستدلّ به على أنّ الفلكيات أسباب للحوادث السّفلية (١) .
﴿جُنْدٌ ما هُنالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزابِ * كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعادٌ وَفِرْعَوْنُ
ذُو الْأَوْتادِ * وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحابُ الْأَيْكَةِ أُولئِكَ الْأَحْزابُ * إِنْ كُلٌّ
إِلاَّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقابِ * وَما يَنْظُرُ هؤُلاءِ إِلاَّ صَيْحَةً واحِدَةً ما لَها مِنْ
فَواقٍ * وَقالُوا رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسابِ (١١) و (١٦)﴾
ثمّ لمّا ذكر سبحانه أنّ المشركين لا يملكون السماوات والأرض ، بيّن عجز الجند منهم فضلا عن العشرة والعشرين بقوله : ﴿جُنْدٌ ما﴾ وعسكر قليل منهم كلّما كثروا ﴿هُنالِكَ﴾ وفي ذلك المكان الذي أنكروا التوحيد ، وعجبوا من رسالتك ، وتكلّموا بالكلمات التي لا تليق بمقامك ﴿مَهْزُومٌ﴾ ومنكسر ومغلوب عن قريب ، وذلك الجند ﴿مِنَ﴾ جملة ﴿الْأَحْزابِ﴾ والجماعات القوية الذين (٢) تحزّبوا واجتمعوا على تكذيب الرسل ومعارضتهم.
وقيل : إنّ ﴿هُنالِكَ﴾ إشارة إلى يوم بدر. قال قتادة : إنّ الله أخبر بمكة أنّه سيهزم جند المشركين ، فجاء تأويلها يوم بدر. وقيل : يوم الخندق. وقيل : يوم فتح مكة ، فانّ مكة هو الموضع الذي ذكروا فيه هذه الكلمات (٣) . فهو إخبار بكونهم منهزمين في مكّة ، وهو من المعجزات. وقيل : إنّ المعنى هم كجند ما من الكفار المتحزّبين على الرسل ، مهزوم ومكسور عمّا قريب ، فلا تبال بقولهم ، ولا تكترث بهذيانهم (٤).
ثمّ ذكر سبحانه الأحزاب الذين جعل قريش منهم بقوله : ﴿كَذَّبَتْ﴾ كما كذّبتك يا محمّد قومك ﴿قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ﴾ ونوحا ﴿وَعادٌ﴾ هودا ﴿وَفِرْعَوْنُ﴾ موسى ، وهو من كثرة ظلمه ، أو قوّته كان ﴿ذُو الْأَوْتادِ﴾ وإنّما وصف فرعون بهذا الوصف ، لأنّه على رواية بعض العامة كانت له أوتاد من حديد يعذّب الناس عليها بأن يمدّ (٥) من غضب عليه مستلقيا بين أربعة أوتاد ويشدّ (٦) كلّ يد ورجل منه بسارية ، وكان كذلك في الهواء بين السماء والأرض حتّى يموت ، أو كان يمدّ الرجل مستلقيا على الأرض ، ثمّ يشدّ يديه ورجليه ورأسه على الأرض بالأوتاد (٧) .
وقيل : إنّه كان يمدّ المعذّب بين أربعة أوتاد في الأرض ، ويرسل عليه العقارب والحيّات (٨) .
وعن الصادق عليهالسلام ، أنّه سئل عن قوله : ﴿وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتادِ﴾ فقال عليهالسلام : « إنّه كان إذا عذّب رجلا
__________________
(١) تفسير الرازي ٢٦ : ١٨٠.
(٢) في النسخة : التي.
(٣) تفسير الرازي ٢٦ : ١٨١.
(٤) تفسير أبي السعود ٧ : ٢١٦ ، تفسير روح البيان ٨ : ٨.
(٥) في السخة : مدّ.
(٦) في النسخة : شدّ.
(٧) تفسير روح البيان ٨ : ٩.
(٨) تفسير الرازي ٢٦ : ١٨٢ ، تفسير أبي السعود ٧ : ٢١٧.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٥ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4438_nafahat-alrahman05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
