يا محمّد ، عن المشركين المعاندين ، وأعرض ﴿عَنْهُمْ﴾ واصبر على أذاهم ، ولا تقاتلهم ﴿حَتَّى حِينٍ﴾ ووقت معين نأمرك فيه بقتالهم قيل : هو يوم بدر ، وقيل : يوم الفتح (١) ، ﴿وَأَبْصِرْهُمْ﴾ في ذلك الوقت ، أو في الحال على أسوأ حال وأفظع نكال حلّ بهم من القتل والأسر والأمر بالإبصار في الحال للإيذان بقربه ، كأنّه بين يديه يبصره في الوقت ﴿فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ وعن قريب يعاينون ما يحلّ بهم من الشرور.
﴿أَ فَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ * فَإِذا نَزَلَ بِساحَتِهِمْ فَساءَ صَباحُ الْمُنْذَرِينَ * وَتَوَلَّ
عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ * وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ (١٧٦) و (١٧٩)﴾
ثمّ لمّا كان في الآية تهديد المشركين بالعذاب ، كانوا يقولون استهزاء به : متى ينزل ذلك العذاب ؟ أنكر الله سبحانه عليهم استعجالهم الناشيء عن الجهل بقوله : ﴿أَ فَبِعَذابِنا﴾ المستأصل لهم ﴿يَسْتَعْجِلُونَ﴾ لا والله لا ينبغي الاستعجال به فانّه جهل وسفة ﴿فَإِذا نَزَلَ بِساحَتِهِمْ﴾ وحلّ بفنائهم ذلك العذاب الموعود كالجيش المغير على قوم ﴿فَساءَ﴾ وبئس ﴿صَباحُ الْمُنْذَرِينَ﴾ بالعذاب.
قيل : إنّ الإغارة لمّا كثرت من العرب في الصباح ، كنّى بالصباح (٢) عن وقت الإغارة ، و[ إن كان ] نزول البلاء والشدة أي وقت كان (٣) .
ثمّ أنّه تبارك وتعالى بعد تهديد الكفّار بالعذاب ، وكان فيه تقوية قلب النبي صلىاللهعليهوآله في معارضة القوم ، أكّد سبحانه الأمر بالتولّي والإعراض عنهم إلى زمان نزول العذاب ، أو نزول الأمر بقتالهم بقوله : ﴿وَتَوَلَ﴾ يا محمّد وأعرض ﴿عَنْهُمْ﴾ ولا تقدم على قتالهم ﴿حَتَّى حِينٍ﴾ وإلى وقت معلوم ﴿وَأَبْصِرْ﴾ ما يفعل بهم ﴿فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ وعن قريب يرون ما يوعدون ، وفي إعادته غاية التهديد والتهويل.
وقيل : إنّ المراد من هذا الكلام فيما تقدّم أحوال الدنيا ، وهنا أحوال الآخرة (٤) .
القمي رحمهالله : ﴿فَإِذا نَزَلَ بِساحَتِهِمْ﴾ يعني العذاب إذا نزل ببني امية وأتباعهم في آخر الزمان ، قوله : ﴿فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ قال : أبصروا حين لا ينفعهم البصر. قال : فهذه في أهل الشّبهات والضلالات من أهل القبلة (٥) .
__________________
(١) تفسير الرازي ٢٦ : ١٧٢ ، تفسير الصافي ٤ : ٢٨٧.
(٢) في النسخة : الصباح.
(٣) تفسير أبي السعود ٧ : ٢١١ ، تفسير الصافي ٤ : ٢٨٨ ، تفسير روح البيان ٧ : ٤٩٩.
(٤) تفسير الرازي ٢٦ : ١٧٣.
(٥) تفسير القمي ٢ : ٢٢٧ ، تفسير الصافي ٤ : ٢٨٨.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٥ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4438_nafahat-alrahman05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
