يُمْسِكُ﴾ ويحفظ ﴿السَّماواتِ وَالْأَرْضَ﴾ بقدرته من ﴿أَنْ تَزُولا﴾ أو كراهة أن تزولا من مقرّهما بسبب قول المشركين بالشّرك بالله.
عن الرضا عليهالسلام، قال : « بنا يمسك الله السماوات والأرض أن تزولا » (١) .
﴿وَ﴾ بالله ﴿وَلَئِنْ زالَتا﴾ عن مكانهما ومقرّهما ، كما يزولان في يوم تبدّل الأرض فيه غير الأرض ، وتطوى السماء كطّي السّجل للكتب ﴿إِنْ أَمْسَكَهُما﴾ وما حفظهما من الزوال (٢)﴿مِنْ أَحَدٍ﴾ من الموجودات غير الله و﴿مِنْ بَعْدِهِ﴾ أو من بعد نزولهما ﴿إِنَّهُ﴾ تعالى ﴿كانَ حَلِيماً﴾ غير معاجل بعقوبة الكفّار بإنزالهما بقولهم بالشّرك ، مع أنّه مقتض لهدّهما هدّا ، ومع ذلك يمسكهما ويمنعهما من الزوال و﴿غَفُوراً﴾ لمن رجع عن الشّرك وتاب من الكفر.
﴿وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ
فَلَمَّا جاءَهُمْ نَذِيرٌ ما زادَهُمْ إِلاَّ نُفُوراً * اسْتِكْباراً فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلا
يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلاَّ بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ
اللهِ تَبْدِيلاً وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللهِ تَحْوِيلاً (٤٢) و (٤٣)﴾
ثمّ أنّه تعالى بعد حكاية إنكار المشركين التوحيد ، حكى إنكارهم الرسالة وإصرارهم عليه بقوله : ﴿وَأَقْسَمُوا﴾ وحلفوا ﴿بِاللهِ﴾ مع أنّ الحلف باسم الله العظيم يكون جهد أيمانهم وأكيده وغليظه ، وقالوا : والله ﴿لَئِنْ جاءَهُمْ﴾ نبيّ ﴿نَذِيرٌ﴾ ومخوّف من قبل الله ، كما أدّعى كثير من الامم مجيئه فيهم ﴿لَيَكُونُنَّ أَهْدى﴾ وأطوع له ﴿مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ﴾ كاليهود والنصارى وغيرهم ، لكوننا أكثر استعدادا وعقلا وفهما وذكاء منهم ﴿فَلَمَّا جاءَهُمْ﴾ محمد صلىاللهعليهوآله وهو ﴿نَذِيرٌ﴾ من النّذر ، وأفضلهم ، بالمعجزات الباهرات الدالّة على صدقه ﴿ما زادَهُمْ﴾ مجيؤه أو ذلك النذير ﴿إِلَّا نُفُوراً﴾ وتباعدا عن طاعته والاهتداء بهدايته ، وكان نفورهم ﴿اسْتِكْباراً﴾ وتعظيما ﴿فِي الْأَرْضِ وَ﴾ عتوّا على الله ، ومكروا ﴿مَكْرَ السَّيِّئِ﴾ أو المراد ما زادهم إلا استكبارا ، ومكر السيء ، والتدبير الشنيع ، والحيلة القبيحة في قتله وإبطال دعوته ﴿وَ﴾ الحال أنّه ﴿لا يَحِيقُ﴾ ولا يحيط ﴿الْمَكْرُ السَّيِّئُ﴾ ووباله وعذابه ﴿إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾ وفاعله.
في الحديث : «لا تمكروا ولا تعينوا ماكرا ، فانّ الله يقول:﴿وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾ » (٣).
__________________
(١) كمال الدين ٢٠٢ / ٦ ، تفسير الصافي ٤ : ٢٤٣.
(٢) في النسخة : النزول.
(٣) تفسير الرازي ٢٦ : ٣٤ ، تفسير روح البيان ٧ : ٣٦١.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٥ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4438_nafahat-alrahman05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
