لُغُوبٌ (٣٥)﴾
ثمّ بيّن سبحانه فضله الكبير بملاحظة أنّه سبب للتفضّلات المذكورة بقوله : ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾ وبساتين إقامة واستقرار لا رحيل منها ، أو المراد بساتين خاصة اسمها عدن ﴿يَدْخُلُونَها﴾ يوم القيامة ، ثمّ ﴿يُحَلَّوْنَ﴾ ويزيّنون ﴿فِيها﴾ رجالا ونساءا ﴿مِنْ أَساوِرَ﴾ مصوغة ﴿مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً﴾ ودرّا بالنصب عطفا على محلّ الذهب ، والمعنى ويحلّون لؤلؤا ﴿وَلِباسُهُمْ فِيها حَرِيرٌ﴾ وثوب رقيق من إبريسم ﴿وَقالُوا﴾ عند الدخول في الجنات تشكّرا لما صنع بهم رّبهم : ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ﴾ وأزال ﴿عَنَّا﴾ بتفضّله علينا بالجنّة ﴿الْحَزَنَ﴾ والغمّ.
عن النبي صلىاللهعليهوآله : « أمّا السابق فيدخل الجنة بغير حساب ، وأمّا المقتصد فيحاسب حسابا يسيرا ، وأما الظالم لنفسه فيحبس في المقام ، ثمّ يدخل الجنّة ، فهم الذين قالوا : ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾» (١) .
﴿إِنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ﴾ للمذنبين ﴿شَكُورٌ﴾ للمطيعين بإثابتهم إلى غير نهاية ﴿الَّذِي أَحَلَّنا﴾ وأنزلنا ﴿دارَ الْمُقامَةِ﴾ والبقاء ، وجنّة لا خروج منها أبدا ﴿مِنْ فَضْلِهِ﴾ وإحسانه بلا حقّ لنا عليه ﴿لا يَمَسُّنا﴾ ولا يصيبنا ﴿فِيها نَصَبٌ﴾ وتعب ووجع ، كما كان يصيبنا في الدنيا ﴿وَلا يَمَسُّنا﴾ ولا يعترينا ﴿فِيها لُغُوبٌ﴾ وكلال وعناء ، إذ لا تكليف فيها ولا كدّ ، فبيّن سبحانه أنّ لهم السرور بالنجاة من العذاب ، وبالدخول في الجنات ، وبالاكرام بتحليتهم بأعلى الحليّ التي يتحلّى بها الملوك ، وباللباس الذي هو أفضل الألبسة ، وبالخلود في النّعم ، والراحة من جميع المكاره والآلام.
﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نارُ جَهَنَّمَ لا يُقْضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ
عَذابِها كَذلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ * وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيها رَبَّنا أَخْرِجْنا نَعْمَلْ
صالِحاً غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَ وَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجاءَكُمُ
النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ (٣٦) و (٣٧)﴾
ثمّ أنّه تعالى بعد بيان حسن حال المؤمنين بيّن سوء حال الكفّار في الآخرة بقوله : ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بالله وبكتابه ﴿لَهُمْ﴾ في الآخرة ﴿نارُ جَهَنَّمَ﴾ بسبب كفرهم وأشدّ العذاب بارتكابهم أكبر الكبائر وأقبح القبائح ﴿لا يُقْضى﴾ ولا يحكم ﴿عَلَيْهِمْ﴾ بالموت ﴿فَيَمُوتُوا﴾ ويستريحوا منه ﴿وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ﴾ طرفة عين ﴿مِنْ عَذابِها﴾ بل كلّما خبت زادوا سعيرا ﴿كَذلِكَ﴾ الجزاء الفظيع
__________________
(١) مجمع البيان ٨ : ٦٣٨ ، تفسير الصافي ٤ : ٢٤٠.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٥ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4438_nafahat-alrahman05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
