الشرح
عقد هذا البحث للردّ على إيحاء قد يتبادر إلى الذهن ، وهو أن المصنّف قدسسره بعد أن أكّد أهميّة علم الأصول ـ كما في البحث السابق ـ ودوره في عملية استنباط الحكم الشرعي ، يكفي أن يكون المستنبط للحكم الشرعي أصولياً عارفاً بالعناصر المشتركة والأدلة التي تقام على إثبات حجّية تلك العناصر ، وذلك بتطبيق العناصر المشتركة على العناصر الخاصة في علم الفقه من دون أيّ جهد جهيد بعد معرفة العناصر المشتركة.
والجواب عن هذا الإيحاء : إن الأمر ليس كذلك ، لأن الإنسان كما يحتاج إلى جهد كبير لمعرفة العناصر المشتركة والأدلة التي تثبت حجّيتها ، فهو بحاجة أيضاً إلى جهد آخر لمعرفة عملية التطبيق ، وكيفية استفادة الحكم الشرعي من العناصر المشتركة من خلال تطبيقه على العناصر الخاصة. فالتطبيق مهمة فكرية وجهدية لا تقلّ جهداً عن معرفة العناصر المشتركة إن لم تكن أكبر وأهمّ.
ومما يؤيّد ذلك : أننا نجد كثيراً من الأصوليين يختلفون في عملية التطبيق وإن اتفقوا في رتبة سابقة على العناصر المشتركة في عملية استنباط الحكم الشرعي. فالكثير منهم يرى حجّية خبر الثقة نظرياً ، ولكن عند ممارسة هذا العنصر المشترك ، وتطبيقه على يعقوب بن شعيب ـ مثلاً ـ نجدهم يختلفون في التطبيق ، فمنهم من يذهب لوثاقته ، ومنهم من لا يذهب.
وكذلك الحال في الظهور العرفي ، فمع اتفاق الأصوليين على حجيتيه نظرياً ، وأنه عنصر مشترك في عملية استنباط الحكم الشرعي ، نلحظ أنهم عند ما يقفون على آية قرآنية أو رواية لاستنباط حكم شرعي ، تتعدّد
