ويجيبُ الفقيهُ على السؤالِ الثاني بالنفي ؛ لأن روايةَ عليَّ بن مهزيار جاءَت في مقام تحديد الأموال التي يجب فيها الخمس وورد فيها أن الخمس ثابت في الميراث الذي لا يحتسب من غير أب ولا ابن ، والعرف العام يفهم من هذه الجملة أن الشارع لم يجعل خمساً على الميراث الذي ينتقل من الأب إلى ابنه ، والراوي ثقة وخبر الثقة حجّة ، والنتيجة هي أن الخمس في تركة الأب غير واجب.
ويجيب الفقيه على السؤال الثالث بالإيجاب ؛ بدليل رواية زرارة عن الإمام الصادق أنه قال : «القهقهة لا تنقض الوضوءَ وتنقض الصلاة» والعرف العامّ يفهم من النقض أن الصلاة تبطل بها ، وزرارة ثقة ، وخبر الثقة حجّة ، فالصلاة مع القهقهة باطلة إذن.
وبملاحظة هذه المواقف الفقهية الثلاثة ، نجد أن الأحكام التي استنبطها الفقيه كانت من أبواب شتى من الفقه ، وأن الأدلّة التي استند إليها الفقيه مختلفة ، فبالنسبة إلى الحكم الأول استند إلى رواية يعقوب بن شعيب ، وبالنسبة إلى الحكم الثاني استند إلى رواية علي بن مهزيار ، وبالنسبة إلى الحكم الثالث استند إلى رواية زرارة.
ولكلّ من الروايات الثلاث متنها وتركيبها اللفظي الخاصّ الذي يجب أن يُدرَس بدقّة ويُحدَّد معناه ، ولكن توجد في مقابل هذا التنوّع وهذه الاختلافات بين المواقف الثلاثة عناصر مشتركة أدخلها الفقيه في عملية الاستنباط في المواقف الثلاثة جميعاً.
فمن تلك العناصر المشتركة : الرجوع إلى العرف العامّ في فهم الكلام الصادر عن المعصوم ، وهو ما يعبَّر عنه بحجّية الظهور العرفي. فحجّية الظهور إذاً عنصر مشترك في عمليات الاستنباط الثلاث ، وكذلك يوجد عنصر مشترك آخر وهو حجّية خبر الثقة.
