وجوب فعل أو عدمه ، فالعقل يحكم بوجوب إتيانه ، ويسمّى هذا الوجوب بأصالة الاحتياط أو أصالة الاشتغال ، ولا يمكن الخروج عن عهدة هذا الوجوب العقلي في التكاليف المحتملة إلا بورود ترخيص من الشارع.
دليل المشهور ومناقشته
اتضح مما تقدّم مسلك المشهور ، وهو الركون إلى البراءة العقلية وقبح العقاب بلا بيان ، أي أن العقل يدرك أن لا مسئولية للمكلف إزاء التكاليف المحتملة ، وما دام المكلّف مأموناً من العقاب ، فهو غير مسئول ولا يجب عليه الاحتياط لا فعلاً ولا تركاً ، وأما الدليل الذي يقيمونه على ذلك فهو استشهادهم باستقرار السيرة العقلائية ، حيث نرى أن العلاقات القائمة بين الموالي والعبيد ، قد استقرّت على قبح معاقبة العبد على تكليف لم يصل إليه أو لم يعلم به ، فلما كان الأمر في الأعراف العقلائية هكذا ، فكذلك الحال في حقّ الله تعالى على عبيده.
والجواب :
أولاً : إن معرفة قبح معاقبة العبد على تكليف محتمل ، يلزمنا بالرجوع إلى معرفة حقّ الطاعة ، والذي تقدّم الكلام عنه ، فإن قلنا : إن دائرة حقّ الطاعة واسعة ، بحيث تمتدّ لتشمل التكاليف المعلومة والمحتملة ، فلا قبح في عقاب العبد على مخالفة التكليف المحتمل ، وأما إذا قلنا : إن دائرة حقّ الطاعة ضيّقة ومختصّة بالتكاليف المعلومة ، فيقبح ذلك ، فالمسألة ترجع إلى تشخيص دائرة حق الطاعة.
ثانياً : إنّ هذا قياس مع الفارق ؛ إذ في الأعراف العقلائية ، وإن كان الأمر كذلك ، وأنّه يقبح على المولى أن يعاقب عبده على تكليف لم يبيّنه له أو لم يصله ، إلا أنّ هذا مختصّ بالتكاليف المعلومة ، ولا يستلزم من ذلك أن يكون حق الطاعة لله تعالى كذلك.
