العقل يدرك إدراكاً واضحاً وقطعياً أنّ على العبد أن يطيع أوامر مولاه ، ولا شكّ في أنّ الله هو المولى الحقيقي ومولى الموالي ، فيحكم العقل بوجوب إطاعة أوامر المولى ، وقد تقدّمت الإشارة لهذا المعنى في ضمن جملة من المقدمات ، عند ذكر الوجه في تطبيق أفعالنا وسلوكنا على موارد الأحكام الشرعية من هذه الحلقة.
مسلكان :
مسلك قبح العقاب بلا بيان
مسلك حق الطاعة
إنّ العقل إذا علم بتكليف من تكاليف المولى ، فلا شبهة أنه يحكم بوجوب إطاعة ذلك التكليف وذلك الحكم الشرعي ، كما لو علم أن الشارع أوجب الصلاة ، فيجب على المكلّف امتثالها بحكم العقل ، وكذلك الحال في النواهي كحرمة شرب الخمر.
ولكن لو فرضنا أنّ العقل شكّ في حكم واقعة ما ، كما لو شكّ في جواز عملية التدخين وعدم جوازها ، فما الذي يدركه العقل ، أوجوب الاحتياط أم البراءة؟
إن معرفة الجواب في المقام يرجعنا إلى معرفة حدود حق الطاعة لله سبحانه وتعالى على عبيده ، فهل حق الطاعة لله يختصّ بالأحكام المعلومة أم يمتدّ ليشمل الأحكام المحتملة والمشكوكة أيضاً؟
إن قلنا إن دائرة حق الطاعة مختصّة بالتكاليف المعلومة والمقطوعة ، فإن العقل لا يدرك حقّ وجوب الطاعة لله إلا ما عرفه من تلك التكاليف بنحو القطع واليقين ، وكانت معلومة له ، وأما ما عداها فالعقل يدرك قبح معاقبة العبد على تكليف لم يصله بنحو العلم واليقين ، وهذا ما يسمى عندهم بمسلك البراءة العقلية في قبال مسلك الاحتياط والاشتغال العقلي ، وهو مسلك
