الشرح
قبل الدخول في الأصول العملية الشرعية ، نحاول الإشارة إلى القاعدة العملية الأساسية التي يمكن التقديم إليها من خلال سؤال : لو جهلنا أو شككنا في حكم واقعة ما ، بعد فقدان الدليل المحرز ، وأردنا تحديد الموقف العملي من خلال العقل ، كما في مسألة التدخين ، فهل يُحكم بجواز الارتكاب أم يُحكم بالترك والاحتياط؟
عند استفتاء العقل في معرفة الموقف العملي تجاه الحكم المجهول ، نجد أن العقل هنا بين أمرين : إما أن يحكم بجواز الارتكاب وهو معنى البراءة ، وإما أن يحكم بعدم جواز الارتكاب وهو معنى الاحتياط.
إن معرفة فتوى العقل في هذه المسألة والإجابة بالبراءة أو الاحتياط ، يرجعنا إلى ضرورة معرفة المصدر الذي يفرض علينا إطاعة الشارع في أوامره ونواهيه.
من الواضح عدم معقولية أن يكون الشارع هو الذي أوجب على المكلفين إطاعة أوامره ونواهيه ، لأن هذا من أوامره ، فيحتاج إلى دليل على وجوب إطاعته ، بعبارة أخرى : إن قلت : إن الدليل على وجوب إطاعة أوامره هو قوله تعالى (: أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ) فيقال : هذا أحد أوامر الشارع ، فما الدليل على إطاعته؟
والجواب : إن الدليل على وجوب إطاعة أوامر الشارع لا بدّ أن يكون شيئاً خارجاً عن نطاق الأوامر الشرعية ، وهو ما يدركه العقل ، لأنّ العقل يفرض علينا ذلك ، لا لأنّ الشارع أمرنا بإطاعته ، وإلا لزم التسلسل ، فلا بد من القول بأنّ العقل هو الذي فرض علينا وجوب إطاعة أوامر الشارع ؛ إذ
