من العلم» والمراد من القرب والبعد هنا : القرب والبعد إلى اللفظ الذي بسببه يكون منشأ الانسباق إلى الذهن ، فإذا قال الآمر : اذهب إلى البحر في كلّ يوم فإن المنسبق من لفظ البحر هنا هو المعنى القريب ، وهو البحر من الماء ، لأنه أقرب إلى اللفظ من معناه المجازي البعيد ، وهو البحر من العلم ، وهذا الانسباق يكون منشأ للتبادر.
ثم من خلال المدلول التصوري نثبت أن مراد الآمر هو البحر من الماء لا البحر من العلم ؛ بقانون أصالة التطابق بين مقام الإثبات والثبوت ، أو التطابق بين الدلالة التصورية والدلالة التصديقية.
وأما إذا قال الآمر : اذهب إلى البحر في كل يوم واستمع إلى حديثه باهتمام فمن الواضح أن السماع يحمل لفظ البحر في قول الآمر اذهب إلى البحر في كل يوم على المعنى الحقيقي القريب المنسبق إلى الذهن ، وهو البحر من الماء ، ولكن كلمة الحديث في قوله : واستمع إلى حديثه باهتمام تؤلّف قرينة لفظية على أن المراد من البحر ليس البحر من الماء ، وإنما البحر من العلم ، لأن الاستماع إلى الحديث إنما يكون من العالم الذي يشبه البحر في غزارة علمه.
فهنا صورتان :
إحداهما : حمل البحر في قوله اذهب إلى البحر على البحر من الماء وهو المعنى الحقيقي القريب ، والأخرى : هو اقتران الصورة الأولى بصورة أخرى في نفس الكلام ، وهي الاستماع إلى حديث البحر ، أي الاستماع إلى أمواج البحر ، وهي قرينة متصلة لا منفصلة (١) ، والاستماع إلى الحديث يقتضي أن يكون المراد من البحر هو البحر من العلم لغزارة علمه.
__________________
(١) سيأتي التفريق بين القرينة المتصلة والمنفصلة بعد هذا البحث.
