ومن الواضح أن العالم الممارس يستطيع من خلال ذلك أن يضع النكتة في موضعها الواقعي ويعطيها حدودها المناسبة ، ولكن قلّما يتاح ذلك للطالب فيبقى فهمه لتلك النكات والمطالب فهماً تجزيئياً وضمن دوائر محدودة.
خذ مثالاً على ذلك : أركان تنجيز العلم الإجمالي الأربعة التي عرضناها في الحلقة الثانية ، فإنّ الكتب التي تتحدّث عنها حينما تناولت منجزية العلم الإجمالي لم تضع لها أركانها بصيغها الفنية العامة ، وإنما عقدت تنبيهات كحالات جزئية طبّقت من خلالها ضمناً تلك الأركان إثباتاً ونفياً ، وفي حالة من هذا القبيل لن يخرج الطالب غالباً بصورة محدّدة ورؤية واضحة لهيكل تنجيز العلم الإجمالي بما يشتمل عليه من قواعد وأركان.
ومن هنا لم يحرص أيضاً على اجتناب استعمال مصطلحات لم يأت بعد تفسيرها ، لأن الحديث في تلك الكتب مع العالم لا مع الطالب ، والعالم محيط بتلك المصطلحات منذ البدء ، ولهذا نجد في الصفحة الأولى من الكفاية استعمال مصطلح حجّيّة الظنّ بناءً على تقرير دليل الانسداد على الحكومة ، وهو مصطلح لا يُكشف النقاب عنه إلّا في أواسط الجزء الثاني من الكتاب.
المبرر الثالث : وهو أيضاً ناتج عن الحالة العامة التي لوحظت في المبرر السابق ، وهي أن المؤلفين كانوا يكتبون لأمثالهم لا للمبتدئين.
وحاصل هذا المبرر : أن المقدار الذي ينبغي أن يعطى من الفكر العلمي الأصولي في مرحلة السطح يجب أن يحدد وفقاً للغرض المفروض لهذه المرحلة ، والذي أعرفه غرضاً لهذه المرحلة تكوين ثقافة عامة عن علم الأصول لمن يريد أن يقتصر على تلك المرحلة ، والإعداد للانتقال إلى مرحلة الخارج لمن يريد مواصلة الدرس ، وهذا هو أهمّ الغرضين. فلا بد إذن أن يكون المعطى بقدر يكفل ثقافة عامة تحقِّق هذا الإعداد ، وتوجد في الطالب فهماً مسبقاً بدرجة معقولة لما سوف يتلقّى درسه من مسائل ، ومرتبة من
